فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 781

وأما النظر إليهما من خارج فربما صار التالي هو المشكوك فيه، إذا كان القصد متجها نحو إنتاجه؛ أو المقدم، إذا كان القصد متجها نحو إبطاله. فنقول: إنه لا بد من أن يكون القول الدال على أن شيئا يصدق معه شيء، وأنه مهما كان الأول صادقا كان الآخر صادقا، قوزلا هو قضية، وتكون لا محالة ليست من الحمليات، فيجب لا محالة أن تكون من الشرطيات، ومن التي تسمى متصلة، وإن كانت حقيقة الشرط والجزاء توجب أن يكون وضع المقدم يلزمه في الوجود التالي لعلاقة بينهما، ونسبة كيف كانت نسبة حمل، أو نسبة صريح إضافة حقيقية، أو نسبة إضافة لازمة. لأن أحدهما علة أو معلول، أو كل جزء، أو كلي أو جزئي، أو شيء من أمثال هذه، مما علمت أن الإضافة لازمة له، وليست مقومة لجوهره، كانت تلك العلاقة معلومة لنا أو لم تكن معلومة، فنحتاج أن نعلمها، والأول أيضا فإنه في وجه من الوجوه يرجع إلى هذه القسمة، فإن المعينة في الصدق في الوجود علاقة ما. لكن إذا كان الذهن قد سبق فعلم وجود التالي، وليس إنما انتقل إليه عن وضع الأول إما انتقالا أوليا وإما انتقالا بنظر، فيكون لا فائدة لوضع القدم لينتقل الذهن منه إلى التالي. فليكن المتصل إما على الإطلاق، فما يدعى فيه أنه يصدق التالي منع مع المقدم، وإما على التحقيق، فما يلزم فيه صدق التالي عن المقدم، والأول منهما أعم من الثاني، إذ ينقسم إلى ما معيته بلزوم، وإلى ما معيته باتفاق. ثم ههنا مواضع توجب شكوكا في هذا المعنى، مثل أنه إذا وضع محال على أن يلزمه في الظاهر محال، مثل قولنا: إن لم يكن الإنسان حيوانا لم يكن حساسا، هل يجب أن يقبل هذا أم لا يجب أن يقبل؟ فإنه إن لم يكن شرط الاتصال اللزوم، لم يكن هذا مما يجب قبوله. ولقائل أن يقول إنه إذا فرض قولنا: إنه ليس بحيوان صادقا، فلم يجب أن يرافقه في الصدق إنه ليس حساسا، إذ كانت هذه المرافقة التي لا لزوم فيها، بل مقتضاها أن يكون حكما مفروضا ويتفق معه صدق شيء ولا التفات فيه إلى اللزوم. لكن كون الإنسان ليس بحساس، قول غير صادق. فكيف يوافق صدقه شيئا آخر فرض فرضا، إلا أن يكون هذا الاتصال يوجب اللزوم؟ فيكون هذا وإن كان ليس صادقا في نفسه، حتى يصدق مع ذلك، فهو لازم عنه. لكن الجواب عن هذا أن اللازم صدقه مع صدق الشيء أخص من الذي يصدق مع الشيء، فإذ هذا لازم أن يصدق مع صدق الشيء، فإنه يصدق لا محالة مع الشيء. فإنه قد يكون كذلك تارة، وقد لا يكون أخرى. وأما هذا فلا يصدق مع الأول بوجه إلا لزوم. فإن الأول من هذين إذا فرض صادقا، فالثاني لا يجوز أن يكون صادقا معه من غير لزوم؛ لأن الأول ممتنع صدقه معه. وإنما يكون الصادق بلا لزوم ما يكون المقدم فيه صادقا لا يمنع أن يقارنه صدق التالي؛ إذ الصادق لا يمنع صدق الصادق. وأما إذا كان كاذبا فربما منع وربما لم يمنع هذا. وأما قول القائل: إذا كان الإنسان ناطقا فالغراب ناطق، فليس يجب أن يكون صادقا بأحد الوجهين. لا لأ لأن هذا في نفسه صدق مع ذلك، فإن كليهما كاذب، ولا لأن أحدهما يلزم عن الآخر. وأما قولنا: إن كان الإنسان موجودا فالخلا ء ليس بموجود، هو صادق بالمعنى الأول، وكاذب بالمعنى الثاني؛ فإن صدق هذا مع ذلك غير لازم عن وضعه. وإن كان صادقا معه فاللزوم جزء من التالي في هذه الحقيقيات، وليس جزءا من التالي في الشرطي المطلق. ولفظة"أن"موضوعة لهذه الدلالة. وأما الألفاظ الأخرى فالأمر فيها على ما علمت وسلف لك ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت