وأما إذا جعل الشرطي المتصل؛ إنما هو شرطي متصل بحسب شرط وجزاء، كان القول الشرطي الحقيقي هو الذي يكون اتباع تاليه لمقدمه على سبيل اللزوم عن وضعه. وما علينا في ذلك من شيء؛ بل علينا أن نتكلم على كل واحد منهما بما يخصه. لكن ههنا حروف شرط في الشرطيات المتصلة تدل على النحو المذكور من اللزوم، وحروف آخرى لا تجدل عليه. فالتي تدل عليه لفظة إن، فإنك لا تقول:إن كانت القيامة قامت فيحاسب الناس؛ إذ لست ترى التالي يلزم من وضع المقدم؛ لأن ذلك ليس بضروري؛ بل أرادي من الله تعالى. وتقول: إذا كانت القيامة يحاسب الناس. وكذلك لا تقول: إن كان الإنسان موجودا، فالاثنان زوج، أو الخلاء معدوم. لكن تقول: متى كان الإنسان موجودا فالاثنان أيضا زوج، والخلاء أيضا معدوم. فيشبه أن تكون لفظة إن شديدة القوة في الدلالة على اللزوم، و"متى"ضعيفة في ذلك، و"إذا"كالمتوسطة، ولفظة"إذا كان كذا، كان كذا"لا تدل على اللزوم البتة. وكذلك لفظة كلما لا تجدل أيضا على اللزوم. ولفظة لما إذ تقول: لما كان كذا، كان كذا، تصلح للأمرين، وزلا توجب أحدهما. والمقدم في الشرطي المتصل يدل على الوضع فقط، ليس فيه أن المقدم الموضوع موجودا وليس بموجود. فليس إذا قلنا: إن كان كذا، كان كذا، هو أن كذا يريد أن يكون؛ حتى يكون معنى هذا: إن كذا يرد أن يكون، ومعه كذا يريد أن يكون، فيكون المقدم في نفسه قضية صادقة، والتالي في نفسه صادقا، وقد قيلا معا؛ ويكون المقدم لو سكت عليه كان قولا تاما؛ وليس أيضا دلالة المقدم على هذا المعنى، وهو: ان كذا الذي يكون معه كذا أيضا يكون. فإن هذه قضية محلية، تحكم أن كذا خائن مع كون كذا، وليس في هذا شرط البتة؛ بل الشرط يحيل كل واحد من الجزئين عن كونه قضية. فإنك إذا قلت: إن كان كذا، فلا صدق فيه ولا كذب، وإذا قلت: فيكون من كذا، لا صدق فيه ولا كذب، إذا أعطيت الفاء حقها من الدلالة على الاتباع. الهم إلا أن نتكلم بلغة لا يكون للتالي علامة من حيث هو تالي، إلا نفس الاتباع، فيكون حينئذ التالي وحده صادقا أو كاذبا، بسبب أنه ناقص العبارة عن المعنى المقصود فيه، ولو وفيت العبارة حق المعنى لكان كما إذا ألحق به الفاء، وإذ لحق به الفاء كان كأنك تقول: فحينئذ أو مع ذلك يكون كذا. وهذا لا صدق فيه و لا كذب، حتى يعلم الوضع الموضوع. وإن كان نفس قولنا: يكون زَ ه صادقا أو كاذبا وحده وليس المقدم أيضا معرضا، من حيث هو مقدم، للشك فيه أو للتصديق له؛ بل إنما الالتفات إليه، من حيث هو مقدم، أن التالي يلزمه أو لا يلزمه. فربما كان غير مشكوك في بطلانه، كقولهم: إن كانت العشرة فردا فلا نصف لهم، بل ربما كان وضعه على أنه ثابت حق في نفسه، ليصح به التالي. وأما من حيث هو شرطي، فليس المقدم منه ولا التالي يقتضيه. فليس أحدهما بحيث يصدق به وهو مقدم أو تال. وما لم يكن كذلك فليس مشكوكا فيه.