فهرس الكتاب
والوجه الثاني محرف عن هذه الدلالة لإضمار شيء في النفس. وبيان ذلك أن يقول القائل: إن هذه الشيء جمادا أو حيوانا معا، فنجيبه بأنه إما أن يكون جمادا، وإما أن يكون حيوانا، ونعني بها أن هذين يتعاندان فيه ولا يجتمعان، ولا نعني صراحة أنه لا يخلو منهما؛ بل إضمارا. كأنك تقول: إن كان هذا الأمر ليس يخلو عن هذين الوصفين على زعمك، فلا تأخذهما مما لا يخلو عنهما الشيء معا حتى لا يزالا يلزمانه؛ بل اجعلهما مما لا يخلو عنهما لامعا؛ بل على أن لا يخلو عن أحدهما. فإنهما لا يجتمعان لأنهما متعاندان، فكيف يكونان معا؟ فيكون كأنه قال: إن هذين متعاندان ولا يخلو الشيء عنهما بزعمك.فتدل على مما دل عليه الأول من عناد وأنه لا يخلو عنه. ولكن يكون أن لا يخلو عنهما أمرا ليس يقتضيه القول، بل متابعة المخاطب به، كأن المخاطب جعل الأم ين لا بد منهما ومن وجودهما، ولكن لا على سبيل العناد فزاده القائل: إن هذا على سبيل العناد، ولا يجتعمان معا، وإن كان لا يخلو عنهما الشيء. وإذا بإما هذه الوجه، لم يدخله الناقص والتام معا، بل أحدهما.
والوجه الثالث أن يعبر عن العناد في مثل ذلك بسلب الأمرين، كأن قائلا قال: إن هذا الشيء جماد وحيوان، فيقال له: إما أن لا يكون جمادا، وإما أن لا يكون حيوانا، فتكون دلالة إما ليس على القسمة، ولا على أنه لا يخلو من أن لا يكون جمادا ومن أن لا يكون حيوانا؛ يبل فيه إشارة إلى معنى لا يخلو من وجه آخر. كأنه قال: لا يخلو إذا قلت ما قلت إما أن يكون كاذبا في أنه جماد وإما أن يكون كاذبا في أنه حيوان. وهذه القضية بهذه الصفة راجعة إلى حقيقة دلالة إما. فإن هذا القول لا يخلو إما أن يكون كاذبا في أن الشيء جماد، أو كاذبا فيه أنه حيوان. فهذا أيضا يرجع إلى الحقيقي. ولكن قد جعل فيه قوله: إما أن لا يكون، بدل قوله: كاذب. فإن الكاذب هو الذي لا يكون الأمر على زعمه. فكأنه قال: إما أن لا يكون جمادا فيكون كاذبا إذا قلت ما قلت، وإما أن لا يكون حيوانا فيكون كاذبا إ قلت ما قلت. وهذا القسم أيضا ليس فيه عناد ناقص وعناد تام فينقسم إليهما مفهوم العناد في هذه الثالثة بمعنى واحد. فإنه إن فهم من العناد بين الأجزاء أن الأجزاء لا تصدق معا فالثالث تصدق أجزاؤه معا، ولفظة إما ليس تدل أيضا على معنى مشترك بين الأول والثاني. فإن لفظة إما ليس إنما تدل على صريح العناد فقط، بل على زيادة أيضا: وهي أن الثاني كائن إن لم يكن الأول.
أما الدلالة على صريح العناد فقد تكون بألفاظ الاتصال وبالحمل، وإن كان من شرط لفظة إما أن تدل على العناد، ولكن كما يدل اللفظ على جزء من أجزاء حده أو شرط من شرائط مفهومه. وربما استعملوا لفظة إما في وجه آخر. فقالوا: لقيت إما زيدا وإما عمرا، ولا عناد في ذلك البتة؛ بل يضمر القائل: لقيت إما زيد وحده وإما عمرا وحده ولم ألق غيرهما وقد تدجل لفظة إما على أن الشيء لا يخلو من أحد أمرين مع جواز اجتماعهما من غير إيجابه أو نفيه. كقولهم: العالم إما أن يعبد الله، وإما أن ينفع الناس، وليس يشار في هذا إلا إلى أنه ليس يخلو من هذين، لا على أحدهما يكون له وحده. فليس إّن المعنى الذي يسمونه عنادا تاما والذي يسمونه عنادا ناقصا بالحقيقة داخلين في مفهوم إما بمعنى واحد، بل باشتراك الاسم. وأما الاتصال فإن الأمرين اللذين يسمونهما اتصالا تاما أو غير تام داخلان فيه. ومع لك فليس يجب أن يلتفت في أمر الاتصال إلى هذه المكفأة التي يلتفت إليها في أمر العناد. وذلك لأن جزئي الاتصال قد تميزا وانفصلا بما لحقهما من اللواحق حتى جعل أحدهما مقدما بعينه والآخر تاليا بعينه، إذا فاقترن بأحدهما حرف الشرط واقترن بالآخر حرف الجزاء. فإن كان لأحدهما أن يعود مرة أخرى فيصير إن كان مقدما تاليا، وإن كان تاليا مقدما، فذلك بوضع ثان، وبخروج عما عليه الأمر الأول، وفي مواد خاصة ليس لصورة الاتصال، و لا التفات إلى ذلك. وكذلك لم يلتفت في الحمليات الموجبة إلى أن يقال: إن منها ما هو حمل تام ينعكس فيه المحمول، وحمل ناقص لا ينعكس فيه المحمول، إذا كان ذلك بتدبير ثان.