فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 781

وجميع القضايا المتصلة، بل والمنفصلة، فإنها لا يمكن أن ترد إلى الحمليات وخصوصا المتصل المشترك الجزأين في جزء، وذلك مثل قولك: إذا وقع خط على خطين فتصير الزاويتان اللتان في جهة واحدة كذا، فإن الخطين متوازيان، فإن هذا في قوة حملية، مثل قولك: كل خطين يقع عليهما خط وقوعا كذا فإنهما متوازيان. ونحن نبين هذا في موضع يخصه. وأيضا فإن المتصلات والمنفصلات قد يكون بعضها في قوة بعض، ونحن نشير إليها عن قريب لاحتياجنا إلى معرفتنا إياها هناك. واعلم أن المنفصلات والمتصلات وريما كان دلالة الاتصال أو الانفصال فيها بعد وضع الموضوع، وربما كان قبل وضع الموضوع، أعني بذلك الكلمة التي بها يصار إلى الاتصال والانفصال، كقولك: إن أو كلما في المتصل، أو قولنا: إما في المنفصل. فيصير ذلك أربعة أصناف من المتصل والمنفصل.

فمثال الذي الاتصال فيه بعد الموضوع، قولك: الشمس كلما كانت طالعة، فالنهار موجود. وهذا قريب جدا من الحملي، لأنه يمكن أن يوضع لجميع ما بد الموضوع اسم واحد، مثاله أن معنى قولك هذا، هو معنى قولك: الشمس شيء من صفته أنه إذا كان طالعا، كان النهار موجودا. وهذا الشيء الذي هو بهذه الصفة قد يمكن أن يوضع له اسم وهو أنه ألف، فإذا قلت إن الشمس ألف تكون قد قلت هذه القضية بعينها. فهذه القضية مترددة بين أن تعني شرطية وبين أن تعني حملية.

وأما مثال الذي الاتصال فيه قبل الموضوع فظاهر، وهو ولك: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود. فإن هذه القضية متصلة بالفعل، وليست تكون حملية؛ بل قد تلزمها الحملية. والقضيتان المتصلتان المذكورتان متلازمتان في كل موضع. وليس كذلك نظيرتاهما من المتصل كما يتبين لك.

أما مثال المنفصلة التي الانفصال فيها بعد الموضوع فلا يمكن إلا أن تكون الأجزاء المشتركة في ذلك الموضوع، فتكون حينئذ كقولك: كل عدد إما أن يكون زوجا، وإما أن يكون فردا. وهذا أيضا في قوة الحملية، كأنك قلت: كل عدد فهو شيء من صفته أنه لا يخلو من أحد هذين الأمرين. فإن سميته بجيم صح أن تقول: إن كل عدد فهو ج. فهذه القضية مترددة بين أن تستعمل منفصلة، وبين أن تستعمل حملية، من غير أن يكون كذلك بقوة بعيدة؛ بل بقوة كأنها قعل.

ومثال الذي يكون الانفصال فيه قبل الموضوع، قولك: إما أن يكون كل عدد زوجا، وإم أن يكون كل عدد فردا. والفرق بين هذه المنفصلة وبين الأولى أن هذه كاذبة والأولى صادقة. وهذه إنما تصدق إذا قرن بها قسم ثالث، فتكون الجملة قضية صادقة. والأولى لا تحتمل قسما ثالثا؛ لأن الحق هو أنه إما أن يكون كل عدد زوجا، وإما أن يكون كل عدد فردا، وإما أن يكون بعض الأعداد زوجا وبعض الأعداد فردا، وهذه الثلاثة لا تصدق إذا أورد الانفصال بعد الموضوع. ولا قوة هذه القضية قوة الحملية التي تصاغ من الأولى.

واعلم أن ظاهر القول والمشهور هو أن المتصل كالموجب، والمنفصل كالسالب. فإنه لا سلب ولا إيجاب في الشرطيات. فنقول أولا: إنه ليس إذا لم يكن المتصل يقضي فيه بسلب مقدم أو تال، أو إيجابه، قضاء جزء ما، يجب أن لا يكون له في نفسه سلب أو إيجاب، كما أنه ليس يضفي فيه بصدق أحدهما ولا كذبه، وذلك ليس يوجب أن لا يكون له في نفسه صدق أو كذب، بل إنما كما أن الموجب الحملي يوجب الحمل، كذلك الموجب المتصل يوجب الاتصال، والموجب المنفصل يوجب الانفصال. فإذا قال قائل: إن كانت الشمس طالعة، فالنهار موجود؛ فإنه يوجب تلو التالي للمقدم وصدقه معه. فإذا لم يصدق هذا وأنكر هذا الاتصال، فقيل: ليس إذا كانت الشمس طالعة، فالنهار موجود، يكون قد سلب هذا الاتصال. وليس هذا السلب انفصالا كما ظنه بعضهم، وإن كان يلزمه انفصال، ولا أيضا سلبه ما ظن بعضهم، وهو أن يؤلف متصل تاليه سالب هذا التالي، كما يقال: إن كانت الشمس طالعة، فليس الليل بموجود. وذلك لأن هذه يبطل حين يجعل بدل إن لفظة كلما. فإنك إذا قلت: كلما طلعت الشمس كان غمام؛ فأنكر هذا، لم يجب من هذا أن يكون مناقضة. ومقابله هو كلما طلعت الشمس لم يكن غيم، بل ليس كلما طلعت الشمس كان غيم. فيكون المقدم بحاله والتالي بحاله. لكن قد سلب الاتصال الكلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت