فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 781

وأما الجزئيات فبالحري أن يتشكك في أمرها، فيقال: إنه كيف يصلح أن يقال: قد يكون إما كذا وإما كذا، وليس ذلك كليا دائما، إلا أن يكون عنادا غير تام. فنقول: إنه ربما كانت الأقسام بحسب الأمر المطلق مثلا ثلاثة، وإما بحسب وضع حال. فأثنان أو أقل من القَسم المستوفية، مثل إن الأقسام في قولنا: إن كل مقدار إما ناقص وإما زائد وإما مساو ثلاثة؛ فإن فرض أن كان المقدار ليس مساويا، أو استثنى من ذلك فبقيت نتيجة يحتاج أن يستثنى منها، كانت الأقسام اثنين. فإن المقدار بهذا الشرط يكون إما زائدا وإما ناقصا فقط، ويكون العناد حينئذ تاما؛ إذ أيهما أوجب رفع الآخر، أو رفع أوجب للآخر. فإن قال قائل: فيكون إذن قولنا: كل مقدار ما؛ ناقص وإما زائد مساو ليس إيجابه دائما، إذ حينئذ لا يصدق. فنقول: إن كان لا يصدق حينئذ فهو كذاك. فإن هذا حينئذ لا يكون إيجابه دائما؛ بل يصدق تارة وتارة يكذب. وشيبه حينئذ أن يكون كل منفصلة يشتمل حال القسمة الأولى منه على أجزاء فوق اثنين. فهو منفصلة ليس فيها انفصال كلي الإيجاب. وذلك أن عند وضع نقيض قسم، وهو ممكن، يبطل صدق الإيجاب الانفصال أكثر من اثنين. ولا أيضا إيجاب انفصال الاثنين منهما فقط يصدق دائما؛ بل إننا يكون الانفصال الدائم الصدق حيث الأجزاء في القسمة الأولى اثنان. فإن كان هذا الانفصال قد يصدق مع ذلك الاستثناء، إذ الانفصال صدقه لصدق أجزاءه، فلا يلزم هذا الطعن.

لكنه قد يشكل ههنا أيضا أمر جزئي. فإنه قد يجوز أن تشكك في حاب التخصيص والذي تدل عليه منفصلة جزئية مؤلفة من كليتين، كقولنا: قد يكون إما كل وإما كل، فيقال: إن هذا كيف يمكن أن يكون؟ فلنحل هذا الشك أولا في الموجبة منه فنقول: إن هذا التخصيص أيضا تخصيص حال، وعلى قياس ما قلنا في المتصل، ووجه هذه الحال المخصصة أنه ربما كانت الأقسام التامة أكثر مما عد في هذه الجزئية. وأما في تلك فلا يكون أكثر من قسمين. مثاله: إن مناسبات المقادير هي ثلاثة: المساواة والزيادة والنقصان. لكنه قد تكون الأقسام في بعض الأحوال قسمين لا ثلاثة. فإنه قد يكون كل مقدار إما مساويا لمقدار ما وإما أصغر، وذلك إذا في الوجود مقدار لا أعظم منه مثلا كقطر العالم. فإن قيل: إنا. قد يكون كل خط إما مساويا لخط وإما أصغر منه، كان هذا صادقا جزئيه فإن جعلته كليا، كذب، وهو أن تقول دائما وفي كل حال واعتبار: إما أن تكون كل الخطوط مساويا لقطر العالم، أو أصغر منه. وأيضا قد تكون الأقسام أكثر من اثنين مثلا إذا أخذنا عموم الأحوال. وأما إذا اعتبرنا حالا ما، فلا يصح فيه إلا أن يوضع من الأقسام جزءان اثنان أو أنقص من العدد الذي للأول. فلتكن تلك الحال فرضنا أن الفاعل واحد، فيكون حينئذ صحيحا أن كل فعل إما أن يكون من الله، أو يكون كل فعل من الناس، ولا يكون القسم الثالث محوج إلى صحة هذا الكلام. أعني بالقسم الثالث قولنا: وإما بعض وبعض. فنفس الغرض المذكور يوجب صحة هذا جزئا، أعني أنه قد يصح عند فرض ما أن يكون إما كل فعل من الله وإما كل فعل من الناس. وإذا كان الفرض حقا بنفسه واجبا، فإن هذا الجزئي حينئذ يصير كليا، فيكون هذا صحيحا بنفسه، لا عند اعتبار تلك الحال. وفرق بين أن يكون فرضا، وبين أن يكون حقا. فإن الفرض قد يكون غير موجود في الوجود. فمنه ما هو جائز الوجود، ومنه ما هو محال الوجود. والحق هو الذي حصل بنفسه موجودا في الأمور، لا في الوضع والفرض. فإن أنكر منكر صحة لزوم التالي معتمدا إحالة الفرض، وهو أن الفاعل واحد فقط، فيجوز أن يوضع له فرض جائز مثل أن تفرض، في وقت ما، أن كل واحد مما هو نار في ذلك الوقت عرض لها الحركة إلى جهة واحدة. فحينئذ يصح لك أن تقول: إما أن تكون كل نار متصعدة أو كل نار هابطة، أو كل نار ذاهبة إلى جهة مقاطعة للمسافة بين الجهتين. ولا يصح لك هذا دائما؛ بل عند الفرض الجائز في نفسه، لأن حمل الحركة على كل واحدة من النيران جائز، وإن كان يجب لها إذا وصلت إلى موضعها السكون. فيكون قد يكون كل نار إما كذا وإما كذا، أي ههنا حالة يصدق منها هذا القول. وإن شئت جعلت بدل النار مدرة أو شررة فيخرج الكلي من الحكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت