فقد بين الوجه الذي عليه تتصور هذه القضايا. وذلك إذا كانت موجباتها المقابلة لها كاذبة. وذلك لإحدى العلل المذكورة. ثم يشكل ههنا أنه هل يصدق إما أن يكون كل، وإما أن يكون كل، وإما أن يكون لا شيء، وإما أن يكون لا شيء. وذلك لأنه لقائل أن يتشكك فيقول: كيف تصدق القضية القائلة: إما أن يكون كل آ بَ، وإما أن يكون كل ج دَ؛ أو القائلة: إما أن يكون لا شيء من آ بَ، وإما أن لا يكون شيء من ج دَ. وكيف يتفق أن يقع هذا التعاند بين كليتين؟ فنقول: إن هذا الإشكال أكثر عرضوه إنما هو في المشتركات في الموضوع، وذلك أنه كيف صار يصح أن يقال: إما أن يكون كل آ بَ، وإما أن يكون كل آ ج. ويوقف عليه ويترك القسم الثالث، وهو أنه إما أن يكون بعض وبعض. فنقول أو: إن حوزا هذا في المنفصلات اللاتي انفصالها وارد بعد الموضوع، فهون أمر ظاهر متعارف، كقولك: كل عدد إما زوج، وإما فرد. فإن العموم قد تناول كل واحد من حالتي الانفصال. وإنما يشكل في الانفصال السابق لوضع المقدم. والذي نقوله في جواب ذلك: أما أولا: فإنه ليس كلامنا في هذه القضايا على أنها صادقة، أو كاذبة، بل على أنها قضايا. فلا يكون فقدان الصدق في صنف منها موجبا علينا أن نسقطه عن جملة الأصناف. وأما ثانيا، فليس علينا أيضا أن نطلب فيها الصدق الحقيقي، بل الشهرة قد تكفينا في استدعاءها إلى تعديدها، أعني إذا كان قد يقبل صدقها، وإن لم تكن حقيقية. فليس يلزمنا لا محالة أن نورد من الصادق ما كان الصدق في صنفه موجودا بالبديهية؛ بل إن كان مما يتبين صدقه بالحجة، فهو أيضا من جملة الصادقات. فمثال ما وجد من المشهورات مطابقا لهذا الصنف، أن القوم الذين صح عندهم وقام في أنفسهم أن الفاعل لا يكون إلا واحدا، فإنه مشهور عندهم مقبول لديهم أنه إما أن تكون كل حركة فعل الله؛ وإما أن تكون كل حركة فعل العبد. فإذا استثنوا أنه ليس كل حركة فعل العبد، أنتجوا أن كل حركة من عند الله وفعله. ويكون مشهورا فيما بينهم أيضا أنه إما أن لا يكون شيء بقضاء الله، وإما أن لا يكون شيء بفعل الناس. وربما لم تكن هذه كثيرة الاشتهار، أعني التي من سالبتين كليتين. لكن إذا قلبت إلى الإيجاب كان يكون مشهورا عندهم، كقولهم: إن كل شيء إما أن يكون إما أن يكون بقضاء الله، أو يكون كل شيء بفعل العبد؛ لا لأنه لا فاعل إلا واحد. وأما في العلوم وفي الصدق الحقيقي، فإن الشيء الذي يقتضيه النوع إما مسلوبا عن كل واحد، أو موجبا لكل واحد، مثل طلب طبيعة النار مكانا معينا، والأرض مكانا معينا، فإن ذلك يكون للكل، وبالجملة كل ما هو أفضل أو لازم للنوع مما ليس بعرض عام زائل. فإن ما كان هذا صفته، واعلم أن هذا صفته، علم يقينا صدق القضية التي بنى انفصالها على متقابلين: أحدهما هذا الشيء، والآخر مقابله. مثاله إما أن تكون كل نار متحركة إلى فوق، وإما أن تكون كل نار متحركة إلى أسفل؛ أي إما أن تكون كل نار مكانها بالطبع فوق، أو تكون كل نار منها بالطبع أسفل. وهذا إن كان يحتمل التقسيم الذي يبني على البديهة قسما ثالثا، وهو إما أن يكون بعض النار كذا، وبعضه كذا. فهذا القسم الثالث مستحيل إثباته في القسمة التي تكو ن بعد العلم، فإن طبيعة النار لا تختلف عن ذلك؛ بل يكون القسمان المذكوران كافيين والقضية صادقة، حتى أيهما استثنى عينه أنتج نقيض الثاني، وأيهما استثنى نقيضه أنتج عين الثاني. و إذا استثنى نقيض أحدهما صح أن نقول: فيجب أن يكون لا محالة القسم الثاني بعينه. ولو كان في الأقسام قسم ثالث لم يجب أن يكون من رفع الأول إثبات هذا الثاني، كما يكون إذا كان الأصل الذي يبنى عليه مجهولا. فكان حينئذ إلى قسم ثالث؛ وكان إذا رفع القسم الأول لا يجبه عند الذهن إثبات الثاني وحده، لجهالته، لا لأنه غير واجب في نفس الأمر. فقد بان أنه قد تكون قضية صادقة بهذا الصفة. وكذلك قد نجد لهذا أمثلة في القياس الثاني من القياسات الاستثنائية عن مقدمات منفصلة، إذ انتقل عن الاستثناء الأول إلى الاستثناء من النتيجة وهي ناقصة قسم.