فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 781

نعود فنقول: ان الاستقراء استقراء، لأنه إثبات حكم على كلي لانه موجود في جزئياته على ايهام انها استوفيت، ومنع ان يكون لها مخالف. فمنه تام ومنه غير تام. فكونه استقراء امر اعم من ذلك. وايضا فاعلم ان الاستقراء كونه ليس بسبب تصحيح كبرى او صغرى، فانه استقراء لأنه يثبت به مطلوب كلي. ثم يعرض له ان يصير مرة اخرى مقدمة كبرى أو صغرى. فلا يكون الاستقراء انما هو لإثبات الكبرى أو الصغرى، أو لإثبات شئ لينفع في شئ اخر، أو لإثبات شئ هو مطلوب في نفسه، بل الاستقراء استقراء لانه يثبت به امر ما من الامور واحد معين النوع المعلوم من الاثبات. ويكون ذلك الامر تارة مطلوبا لنفسه وتارة مطلوب لغيره. وذلك اختلاف بعد كونه مثبتا بالاستقراء، واختلاف ما بعد ذلك لايجعله مختلفا في انه استقراء، بل هذا كله يعد انه استقراء. والاستقراء قد يستعمل لبيان الكبرى في قياس ما، وقد يستعمل في بيان الصغرى وتؤخذ الكبرى اخذا. وحيث ما كان فيجب ان يكون مابين بالاستقراء أظهر من المطلوب الآخر أو ليس اخفى منه. أما كيف يكون اظهر من ذلك المطلوب، فان يكون ذلك المطلوب مثلا مجهولا وجود محموله لموضوعه او سلبه عنه؛ ويكون المحمول في المصحح بالاستقراء معلوما وجوده للموضوع او سلبه عنه مطلقا، لكن كميته مجهولة فتصحح بالاستقراء كميته؛ او يكون كلاهما ظاهرين بحسب الشهرة، لكن هذا أظهر. وأما كيف يكون ليس باخفى منه، بل مساويا له، فانما يمكن ذلك اذا كان لوجود المحمول في المطلوب سبيل بيان غير هذه السبيل لايحتاج فيه الى هذه السبيل. فيكون كل واحد منهما له وجه بيان ليس متعلقا بالآخر. فلا يكون احدهما مبدأ بيان للآخر، فيكون أظهر منه، بل يتساويان. ولكنه من حيث هو الآن مبين بهذا، فلا يمكن الا ان يكون البيان اولا للمقدمة، ثم للنتيجة. فيكون الوسط للمقدمة اقل منه للنتيجة. واذا كان الوسط اقل فهو ابين. فانج ميع مانورد في الاستقراء من وسط، فانه مشترك للمقدمة والنتيجة. وللنتيجة زيادة وسط آخر. فان كان الاصغر مبينا، والاكبر مشكوكا فيه، واريد اثباته بالاستقراء التام، امكن من وجه ولم يمكن من وجه.

اما الوجه الذي يمكن فان يقسم تكون الجزئيات فيه بحيث لايخرج عنها الاصغر مثل ان الحيوان تارة يقسم الى الناطق، والى غير الناطق؛ والى غير الناطق؛ وتارة الى المائت وغير المائت. والمائت وغير المائت لاينفلت عنهما الناطق ولاغير الناطق. فاذا اريد مثلا ان يبين ان كل ناطق الف، وجعل الحيوان فيه وسطا، او اريد ان تبين الكبرى بالاستقراء، قيل فيه: كل حيوان مائت وغير مائت، وكل مائت وغير مائت فهو آ، فكل ناطق آ.

واما الوجه الذي لايمكن، فأن يستعمل الاستقراء في الكبرى مأخوذا من جزيئات القسمة الاخرى. فنقول: كل ناطق حيوان، وكل حيوان اما ناطق واما كذا، واما كذا، وكل ناطق وكل كذا وكذا آ، فانه يأخذ ان كل ناطق آ في بيان ان كل ناطق آ. وكذلك الحال حيث لاتكون القسمة الا قسمة واحدة ان كان شئ هكذا. وغلط من جعل هذه القسمة مثل قسمة اللون الى جزيئاته مرة الى انواع اللون، ومرة الى انها جسم وبياض، فجعل الجسم والبياض قسمين في الترتيب تحت اللون، ولم يحضره انه يمكن ان يقسم الى موضوعات للحمل قسمة لايذكر فيها مايدخل في قسمة اخرى.

فبالجملة الوجه الممكن هو ان يكون اذا قسم القسمة المذكورة ادعى ان كل واحد مما في القسمة الغير المصرحة بالاصغر ولا المخرجة اباء هو بصفة، فجعل تلك الصفة للكلي الذي هو الاوسط، ثم ادخل الاصغر تحت ذلك الحكم.

واما الوجه الذي لايمكن فيه ذلك، فان تكون القسمة مخرجة في الاجراء للاصغر صريحا، فيحتاج ان يصرح ان موجود للاصغر، وذلك هو المطلوب الاول، وذلك محال. فان ذلك ان كان بينا فما الحاجة الى البيان. وكذلك ان كانت الصغرى هي الخفية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت