فهرس الكتاب

الصفحة 389 من 781

على ان المستقرئ اذا لم يكن استقراؤه تاما اقتصر من الاقسام التي ينقسم اليها الذي هو في حكم الاوسط على ما هو خارج عن الاصغر، وترك الاصغر. فاذا انتج الحكم الكلي عاد فادخل الصغرى تحت ذلك الحكم. واعلم ان المستقرئ عند ما يستقر مايمكن ان يجعل صغرى او كبرى، فانما ينظر فيه لنفسه، ولا يلتفت حينئذ الى النتيجة، بل انما يطلب ان يستقر له الحكم الكلي فاذا استعمله في القياس استعمله على انه امر قد تبين قبل. فهو بحسب استعماله ابين من النتيجة. ويكون في نفسه اما ابين، واما مثل النتيجة في الخفاء. فان الاستقراء من حيث هو استقراء انما يبين به ما هو بالحقيقة امر جزئي، الا ان ينقلب الاستقراء قياسا مقسما. وذلك الذي بان هو مثل مانريد ان نبين من امر النتيجة المسوق اليها الكلام. فان تلك النتيجة بعد استعمالل هذا القياس المبني على الاستقراء لاتبين ايضا بالحقيقة من حيث الدعوى الكلية، كما لم تكن المقدمة ايضا بانت، فحفاؤها واحد. ولا يمنع ان يكونا من حيث الجزئية قد كانا معلومين بالسواء. وربما كان للنتيجة طريق اخر تبين به تسط هذا المتوسط، وبلا توسط الصغرى او الكبرى المجهولين، ويكون ايضا لتلك طريق اخر تبين به. فيكون البيان الحقيقي لهما منفردا لكل على حياله غير مبين بالاخر، فلا يكون احدهما اظهر من الاخر. فعلى هذه الحجة ينبغي ان تفهم هذه المواضع، لاعلى الجهات التي قيلت.

واعلم ان الاستقراء الناقص مغالطة في البرهان، وليس مغالطة في الجدل. وقد يؤخذ في الجدل اخذا غير حق، ويستعمل على ذلك من غير استكثار في الجدل. والاستقراء التام المنقول عنه الحكم الى شئ تحت المستقرئ له انما ينفع في البراهين، اذا بانت بها المقدمات من جهة قسمة ما. ثم هناك قسمة اخرى تصير لها الجزئيات الاخر فيطلب الاكبر على جزئي ما منها، مثلا اذا بان ان كل ناطق وكل غير ناطق بصفة، فصار كل حيوان بتلك الصفة، ثم اخذ الماشي فقيل: والماشي حيوان، وكل حيوان فقد بان باستقراء جزئياته انه بصفة كذا. او يكون قد بان الحكم على كل ناطق وعلى كل غير ناطق، فبان على كل حيوان، ثم جعل الحد الاصغر جزئي الناطق. فلا يمتنع ان يكون الحكم على الناطق ابين منه على جزئي الناطق. ثم ليس لقائل ان يقول: فهلا بين الجزئي الذي للناطق من جهة الناطق ؟ وانما ليس ذلك له، لانه لايمتنع ان يكون نظره الاول في الناطق، ليس لأجل جزئي الناطق، بل لأجل الاستقراء، ثم صح له من الاستقراء ان كل حيوان بصفة، ثم لما اورد ذلك الجزئي خطر بالبال وقوعه تحت الحيوان، ولم يخطر الناطق بالبال في هذا الحين، فائتلف قياس صحيح. فان كان بيانه من جهة الناطق بيانا افضل ومما هو اولى، على ما ستعلم في كتاب البرهان، فعلى هذا يجب ان يفهم هذا الموضع من كلام المعلم الاول.

واعلم انه كلما كانت الاوساط من حيث هي جزئيات المستقرئ له اقل، ومن حيث هي موردة في الاستقراء اكثر، كان الشك ازول، لان الباقي مما لم يعد يكون اقل. فاعلم ان الاستقراء في تصحيح المقدمات الكلية يستعمل على الوجهين المذكورين، وقد يستعمل للتنبيه على الاوائل، ولايحتاج فيها الى الاستيفاء. وقد يستعمل بوجه ما للتجربة ويحصل معه ضرب من اليقين وان كانت من غير استيفاء، كما سنتكلم فيه في كتاب البرهان. واعلم انه قد استعمل في التعليم الاول لإبانة الاستقراء المنتج للصغرى مثالان، احدهما ما قبل من ان كل عدل علم، وكل متعلم، فكل عدل متعلم. ثم وجد كون العدل علما امرا غير بين، فكان هذا الذي يحتاج الى بيان استعمل بعضهم فيه القياس. ونسى انه ينبغي ان يستعمل الاستقراء، اذ المثال للاستقراء. وكان ذلك القياس مثل قولهم: ان كل عدل ملكة تكتسب بالفكرة، وكل ملكة تكتسب بالفكرة علم. وهذا هو نفس القياس. وقد عمل بعضهم شيئا اخر، وهو ان قال: انه يجب ان يكون مكان العدل فضيلة، ويكون العدل جزءا من جزيئات الاستقراء، اذ هو جزئي للفضيلة. فلما صح ان العدل علم بالقياس المنقول، قبل: وكذلك كل فضيلة علم. واما نحن فلا يعجزنا ان ناخذ العدل حدا اصغر نفسه، ويكون بيانه ان عدالة فلان المشهود. وفلان المشهود كانت قنية اكتسبت بالبحث والفكرة. فنقول حينئذ: كل عدالة مكتسبة بالبحث والفكرة. فتكون هذه الصغرى انما بانت بالاستقراء هكذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت