فهرس الكتاب

الصفحة 396 من 781

إن الفنون التي سلفت، سلف أكثرها على نهج طبيعي من الترتيب؛ فكان من حق الفن الذي في البسائط أن يقدم على المركبات؛ ومن حق الفن الذي في التركيب الأول الجازم أن يقدم على الذي في القياس؛ وكان من حق الفن الذي في القياس المطلق أن يقدّم على القياسات الخاصة. وأما هذه الفنون التي انتقلنا إليها فمن الجائز أن يقدم بعضها على بعض؛ وليس إلى شيء من التراتيب والأوضاع حاجة ضرورية. لكن الأشبه أن يكون المعلم الأول رتب هذا الفن الذي في البرهان قبل سائر الفنون: لأن الغرض الأفضل في جميع ما سلف، وفي القياس نفسه، هو التوصل إلى كسب الحق واليقين. وهذا الغرض يفيده هذا الفن دون سائر الفنون. والأوْلى في كل شيء أن يقدّم الأهم وأن يصرف الشغل إلى الفرض قبل النفل. أما ما يفيده سائر الفنون فكأنه من الأمور التي ينتفع ببعضها في الأمور المدنية المشتركة دون استفادة الكمالات الخاصية إلا ما يُتعلم منه على سبيل ما يُتعلم اشُّر ليُحذَر. والكمال الخاص قبل الكمال المشترك. وذلك لأن بعضها يُتعلم ليُحرز منه؛ وبعضها ليُرتاض به أو ليكبح به معاند الحق. وبعضها ليُقدَر به على مخاطبة الجمهور في حملهم على المصالح بما يظنون منه ظنا أو يتخيلون تخيلا. وجميع ذلك مما لا غنية عن تلخيصه لتكملة الأقسام.

لكن من الناس من رأى أن الأصوب هو أن يتقدم الفن المعلم للجدل على هذا الفن، فاستُنكر ما يقوله كل الاستنكار ورُد عليه كل الرد، وليس يستحق الرجل كل ذلك النكير وكل ذلك الرد: فإن من وسع وقته للتأخر وأُملي له في الأجل فسلك ذلك السبيل، كان ذلك أحسن من وجه، وإن كان الأول أحسن من وجه. فإن الأول أحسن من جهة حسن الاختيار والشفقة على الروزكار. والثاني أحسن من جهة اختيار حسن التدريج: وذلك لأن مدار الجدل إنما هو على القياس والاستقراء، ومن كل واحد منهما: برهاني وغير برهاني. والقياسات البرهانية الأولى هي المؤلفة من مقدمات محسوسة ومجربة وأولية، أو أولية القياس كما ستقف عليه. والاستقراءات البرهانية هي المستوفية المذكورة. فأما القياس الجدلي فهو من المقدمات المشهورة، واستقراؤه من المستوفية بحسب الظاهر أو بحسب الدعوى. وكل مقدمة محسوسة أو مجربة أو أولية فإنها مشهورة وفي حكمها. ولا ينعكس. وكل استقراء حقيقي فهو أيضًا استقراء بحسب الظاهر، ولا ينعكس. وليس كل ما أُورد في الجدل فهو شيء بعيد عن البرهان، بل كثير من المواد البرهانية مذكورة في الجدل، لكنها لم تؤخذ من حيث هي صادقة بوَسَط أو بلا وسط، بل من حيث هي مشهورة. ولو أخذت من حيث هي صادقة لم يُرض بمشهورات غير صادقة. فالمادة الجدلية الأولى أعم من المادة البرهانية الأولى. نعم سيتشعب البرهان إلى مواد لا تكون مشهورة، ولكن ليست تلك المواد الأولى للبرهان. ومع ذلك فإن النسبة التي تكون بين تلك المواد البرهانية لا يدفع الجدل استعمالها، بل إنما لا يستعملها لأنه ليس له إلى معرفتها سبيل. وأما النسبة التي بين تلك الحدود فتستعمل في الجدل، لكن الحدود أنفسها ربما دقّت عن لا جدل. وفي المنطق لا يعطى الحدود إنما يعطى النسب التي بين الحدود. فإن نسب المواد الثواني مما يُعطى أيضًا في تعليم صناعة الجدل بحسب المنطق.

وإذا كان كذلك فنسبة مادة الجدل ونسبة النسب التي تعطى في تعليم قانون الجدل - وهما شيئان مختلفان - إلى المواد الأولى للبرهان وإلى النسب التي تُعطى لحدود المواد في تعليم قانون البرهان - وهما شيئان مختلفان - نسبة صورة القياس المطلق إلى القياس البرهاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت