فهرس الكتاب

الصفحة 397 من 781

وإذا كانت هذه النسبة إحدى الدواعي إلى تقديم القياس، فكذلك تلك هي إحدى الدواعي إلى تقديم كتاب الجدل. لكن بينهما بعد ذلك فرق. وذلك لأن العام قد يكون (90 ب) مقوما للشيء وقد يكون عارضا. ونسبة القياس المطلق إلى القياس البرهاني هي نسبة أمر مقوّم. ونسبة المشهور إلى الصادق بلا وسط ليس نسبة أمر مقوم. ولذلك إذا التفت الإنسان إلى الصادق بلا وسط - من حيث هو صادق بلا وسط - ولم يلتفت إلى شهرته، بل فرض مثلا أنه غير مشهور، بل شنيع، لما أوقع ذلك خللا في التصديق به كما لو سُلب القياس البرهاني حد القياس المطلق لاختل، بل لامتنع. لكنه وإن كان كذلك فإن الابتداء بالأعم ثم التدرج إلى الأخص متعرفا فيه الفصل بينه وبين ما يشاركه في ذلك الأعم، أمر نافع، وإن كان الأعم ليس مقوّما.

وعلى هذه الصورة حصلت ملكة البرهان: فإنه إنما فطن أولا للجدل ثم انتقل إلى البرهان. وأيضًا فإن الأمور المجهولة إذا طُلبت فإنما يُتوصل إليها في أكثر الأمر بأن تورد أولا قياسات جدلية على سبيل الارتياض، ثم يتخلص منها إلى القياس البرهاني. وهذا شيء ستعلمه في صناعة الجدل.

فأما صناعة الخطابة والشعر فبعيدان عن النفع في الأمور الكلية النظرية: وذلك لأن موضوعهما الأمور الجزئية. وإن نقلت إلى الأمور الكلية ظَلَمت هي الأمور الكلية.

وأما المغالطة فإنها وإن شاركت الجدل في أنها كانت أولا قبل البرهان في الزمان، فإنها إنما كانت تتقدم تقدم الضار لا النافع. وتقدم الجدل تقدم النافع. والمغالطة ليست مما ينفع بوجه، ولا مادتها بمشاركة لمادة البرهان بوجه. بل لا المادة المغالطية تُحمل على مداة البرهان ولا صورتها على صورته، ولا بالعكس.

والخطابة فقد تقدمت أيضًا على البرهان في الزمان فكانت إما مشبهة بالجدل ومن حكم الجدل، أو كانت على حكم المغالطة. وليس التقدم في الزمان هو المقصود، بل التقدم النافع الذي مع مشاركة ما.

التعليم والتعلم منه صناعي مثل تعلم التجارة والصباغة، وإنما يحصل بالمواظبة على استعمال أفعال تلك الصناعة. ومنه تلقيني مثل تلقين شعر ما أو لغة ما، وإنما يحصل بالمواظبة على التلفظ بتلك الأصوات والألفاظ ليحصل ملكة. ومنه تأديبي، وإنما يحصل بالمشورة على متعلمه. ومنه تقليدي، وهو أن يألف الإنسان اعتقاد رأى ما، وإنما يحصل له من جهة الثقة بالمعلم. ومنه تنبيهي كحال من يعلم أن المغناطيس يجذب الحديد، لكنه غافل عنه في وقته ولا يفطن له عند إحساسه جاذبا للحديد، فيعجب منه، فقال له: هذا هو المغناطيس الذي عرفت حاله. فحينئذ يتنبه ويزول عنه التعجب. أو كمن يخاطب بالأوائل فلا يفطن لها لنقص في العبارة أو في ذهنه فيُحتال في تقريرها له. ومنه أصناف أخر، وليس شيء منها بذهني أو بفكري. والذهني والفكري هو الذي يُكتسب بقول مسموع أو معقول من شأنه أن يوقع اعتقادا أو رأيا لم يكن، أو يوقع تصورا ما لم يكن. وهذا التعليم والتعلم الذهني قد يكون بين إنسانين وقد يكون بين إنسان واحد مع نفسه من جهتين. فيكون من جهة ما يحدس الحد الأوسط في القياس مثلا - معلما، ومن جهة ما يستفيد النتيجة من القياس - متعلما. والتعليم والتعلم بالذات واحد وبالاعتبار اثنان. فإن شيئا واحدا - وهو انسياق ما إلى اكتساب مجهول بمعلوم - يسمى بالقياس إلى الذي يحصل فيه - تعلما، وبالقياس إلى الذي يحصل عنه، وهو العلة الفاعلة - تعليما. مثل التحريك والتحرك.

وكل تعليم وتعلم ذهني وفكري فإنما يحصل بعلم قد سبق. وذلك لأن التصديق والتصور الكائنين بهما إنما يكونان بعد قول قد تقدم مسموع أو معقول. ويجب أن يكون ذلك القول معلوما أولًا، ويجب أن يكون معلوما لا كيف اتفق، بل من جهة ما شأنه أن يكون علما ما بالمطلوب: إن لم يكن بالفعل فبالقوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت