فهرس الكتاب
وبرهان الإن فقد يتفق فيه أن يكون الحد الوسط في الوجود لا علة لوجود الأكبر في الأصغر ولا معلولا له، بل أمرا مضايقا له أو مساويا له في النسبة إلى علته، عارضا معه أو غير ذلك مما هو معه في الطبع معا. وقد يتفق أن يكون في الوجود معلولا بوجود الكبر في الأصغر. فالأول يسمى برهان الإن على الإطلاق، والثاني يسمى دليلا. مثال برهان الإن المطلق أن هذا المحموم قد عرض له أبيض خائر في علته الحادة، وكل من يعرض له ذلك خيف عليه السّرسام ثم ينتج أن هذا المحموم يخاف عليه الرسام. وأنت تعلم أن البول الأبيض والسرسام معا معلولان لعلة واحدة وهي حركة الأخلاط الحادة إلى ناحية الرأس واندفاعها نحوه. وليس ولا واحد منها بعلة ولا معلول للآخر. ومثال الدليل: هذا المحموم تنوب حُمّاه غبا، وكل من ناب حماه غبا من عفونة الصفراء. أو نقول إن القمر يتشكل بشكل كذا وكذا عند الاستنارة: أي يكون أولا هلالا ثم نصف قرص ثم بدرا، ثم يتراجع على تلك النسبة. وما قَبِلَ الضوء هكذا فهو كرى، فالقمر كرى. أو نقول إن القمر ينكسف انكسافه، وإذا انكسف القمر انكسافه فقد حالت الأرض بينه وبين الشمس. أو نقول: هذه الخشبة محترقة وكل محترق فقد مستّه النار. فجميع هذا يُبيّن العلة من المعلول ويسمى دليلا، وهذا ظاهر لا نطول بيانه.
واما البرهان المطلق - أعني برهان لم - فمثل أن نقول: إن هذا الإنسان عفنت فيه الصفراء لاحتقانها وانسداد المسام، وكل من عرض له فهو يحم غبا، نائبة أو لازمة تشتد في الثالث. أو نقول: القمر كرى، وكل كرى فإن استفادته النور من المقابل يكون على شكل كذا وكذا. أو نقول إن القمر وقع في مقابلة الشمس والأرض متوسطة تستر ضوءها عنه، وكل ما كان كذلك انكسف. أو نقول: إن هذه الخشبة باشرتها النار، وكل خشبة باشرتها النار تحترق. فإن هذا كله مما يعطى التصديق بالمطلوب ويعطى علة وجود المطلوب في نفسه معا. وأما أصناف الأسباب وكيف يمكن أن تؤخذ حدودا وسطى فسنفصلها التفصيل المستقصى بعد. وأما الآن فنقول: إن جميع ما هو سبب لوجود إما أن يكون سببا لنفس الحد الأكبر مع كونه سببا لوجوده للأصغر، أولا يكون سببا لوجود الحد الأكبر في نفسه، ولكن لوجوده للأصغر فقط. مثال الأول أن حمى الغبّ معلولة لعفونة الصفراء على الإطلاق. ومعلولة لها أيضًا في وجودها لزيد. ومثال الثاني أن الحيوان محمول على زيد بتوسط حمله على الإنسان. فالإنسان علة لوجود زيد حيوانا - لأن الحيوان محمول أولا على الإنسان. والإنسان محمول على زيد. فالحيوان محمول كذلك على زيد. وكذلك الجسم محمول أولا على الحيوان ثم على الإنسان. فالحيوان وجوده للإنسان علة في وجود الإنسان جسما. فأما على الإطلاق فليس الإنسان وحده علة لوجود الحيوان على الإطلاق، ولا الحيوان وحده علة لوجود معنى الجسم على الإطلاق. فإن سنح لقائل أن يقول: بل الحيوانية علة لوجود الإنسانية لزيد، فإنه ما لم يصر حيوانا لم يصر إنسانا: وكذلك حل الشك في أن فصل الجنس هو أولا للنوع أو للجنس؟ فليكن الجواب عن ذلك فرضا له علينا ودينا نقضيه؛ والآن فنقول: إن الجنس علة للنوع في حمل فصل الجنس عليه، كما هو علة له في حمل جنس الجنس عليه. ونبين تحقيق ذلك من حل الشك المذكور بعد، ونقول: