فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 781

إن كل شيء يكون علة للحد الأكبر فإنه يكون صالحا لأن يكون حدا أوسط له، وإن لم يكن بيّنا أنه علة له. ولكن لا يكون القياس المؤلف"برهان لمَ"بعد. فإلى أن يبين ذلك فلا يكتسب به اليقين التام. وإذا تبين بحجة، بان باعتبار أو حجة، فيكون اليقين إنما يتم لا بذلك الحد الأوسط وحده، بل بالحد الأوسط الآخر - وهو الذي يبين أن السبب سبب بالفعل. فكثيرا ما يكون السبب المعطى أولا ليس سببا قريبا، أو ليس سببا وحده بالذات، بل هو بالحقيقة جزء سبب. وهذا مثل الحساس: فإنه علة بوجه ما للحيوان. فإذا قلنا: مل حساس حيوان: لم يخل ذلك من أحد وجهين: إما أن يجعل اسم الحيوان مرادفا لاسم الحساس حتى لا يكون الحيوان إلا نفس الشيء ذي الحس، فيكون حينئذ الأوسط والأكبر اسمين مترادفين، ولا يكون أحدهما أولى بأن يكون علة للآخر، وإما أن يكون معنى الحساس يدل على شيء ومعنى الحيوان على شيء أكمل معنى منه على ما هو الحق وعلى ما علمت، حتى يكون الحيوان ليس شيئا ذا حس فقط، بل جسما ذا نفس غاذية نامية مولدة حساسة متحركة. وأنت تعلم أن نفس كونه ذا حس ليس نفس كونه جسما ذا نفس غاذية نامية مولدة حساسة، وإن كان هذا لا يخلو عنه. وقد علمت أن الفرق بين المعنيين؛ ومع ذلك فليس أيضًا يلزم من وضعك شيئا ذا حس من غير وسط ولا حجة أن تعلم أنه يجب أن يكون جسما ذا نفس متغذية نامية مولدة وغير ذلك. فإنك لو فرضت أن ها هنا جسما له حس ولا شيء من ذلك، لم يمتنع عليك تصوره بالبديهة. نعم، قد تستنكره وتجد الوجود يخالفه، وليس اليقين يصير يقينا بمطابقة الوجود له وبالاستقراء كما قد علمت. لا، بل ما تنكر البديهة وجوده فإنك تجوز وجوده. وكل ما جوزت وجوده فليس مقابلة يقينا لك.

وإذا كان كذلك فليس قولك كل حساس حيوان - ولا تعني بالحيوان الحساس نفسه حتى يكون اسما مرادفا له، بل تجعله أمرا له خصوصية مفهوم حققناه - أمر متيقنا به، مع أن الحساس علة، إلا أنه علة ليس وحده على، بل هو إحدى العلل: أي جزء العلة. فيجب أن يعتقد هذا ولا يلتفت إلى ما يقال. فأما إذا أخذت"الحساس"مرادفا للحيوان فقد جعلت الحد الأوسط اسما مرادفا لاسم الأكبر، فما شيئا.

فإذن علة الكبرى التي نحن في ذكرها يجب أن تكون علة كاملة وعلة واضحة، ثم تعتبر الاعتبارات التي أعطيناها. ونعود فنقول: وربما كان الأوسط في الوجود معلول الأكبر بالحقيقة، لكنه ليس معلول وجود الأكبر في الأصغر. بل إنه وإن كان بالحقيقة معلولا للأكبر فإنه يكون علة لوجود العلة في المعلول. فإنه لا يمتنع أن تكون العلة أولا موجودة لشيء فيكون ذلك الشيء معلولا لها، ثم تكون العلة بتوسط ذلك المعلول لمعلول آخر، فتكون هذه الواسطة معلولة في الوجود للأكبر، لكنها علة لوجود علة في معلول آخر وليس سواء أن نقول"وجود نقول"، وأن نقول"وجود الشيء في لاشيء". ولا يتناقض أن نقول هذا معلول الشيء، ثم نقول لكنه علة لوجود هذا الشيء في معلول آخر: فإن حركة النار مثلا ملولة لطبيعتها، ثم قد تصير علة لحصول طبيعتها عند الشيء الذي حصلت عنده ففعلت فيه. ولذلك هي التي تجعل حدا أوسط دون نفس طبيعة النار، فإن نفس طبيعة النار لا تكون علة الإحراق بذاتها إلا بتوسط معلول هو مماستها للمحترق أو حركتها إليه مثلا.

فالشيء الذي هو علة لوجود الأكبر مطلقا، فهو علة لا لوجوده مطلقا، لكن لوجوده في موضوع ما. فأما العلة لوجود الأكبر في الأصغر فليس يجب أن تكون لا محالة علة للأكبر، بل ربما كان معلولا له على الوجه الذي قلنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت