فهرس الكتاب
فبين أن الشيء أو الحال إذا كان له سبب لم يتيقن إلا من سببه. فإن كان الأكبر للأصغر لا بسبب بل لذاته لكنه ليس بين الوجود له؛ والأوسط كذلك للأصغر إلا أنه بيّن الوجود للأصغر؛ ثم الأكبر بيّن الوجود للأوسط؛ فينعقد برهان يقيني؛ ويكون برهان إن ليس برهان لم. وإنما كان يقينا لأن المقدمتين كليتان واجبتان ليس فيهما شك: والشك الذي كان في القياس الذي لأكبره سبب يصل بأصغره، كان حين لم يعلم من السبب الذي به يجب؛ بل أُخذ من جهة هو بها لا يجب بل يمكن. فإن كل ذي سبب فإنما يحب بسببه. وأما هاهنا فكان بدل السبب الذات؛ وكان الأكبر للأصغر لذاته ولكن كان خفيا، وكان الأوسط أيضًا له لذاته لا بسبب؛ حتى إن جُهل جهل. ولكنه لم يكن خفيا. فقد علمت المقدمة الصغرى بوجوبها، والكبرى أيضًا كذلك: إذ لم يكن الأكبر للموصوفات بالأوسط إلا لذاتها؛ لا لسبب يجهل لجهله: والذي يبقى هاهنا شيء واحد: هو أن لقائل أن يقول كيف تكون الذات الواحدة تقتضي لذاتها شيئين: مثلا الأصغر كيف يقتضي ب الأوسط، أ الأكبر اللهم إلا أن يقتضي أحدهما لذاته أولا؛ ويقتضي الثاني لا لذاته بل يتوسط ذلك الأول بينهما. فحينئذ يكون ب على أ - لا بحسب البيان فقط، بل وبحسب الوجود. فالجواب أن المنطقي من حيث هو منطقي يجب أن يأخذ أن هذا ممكن في مواد هذهصفتها؛ ولا يمكن في مواد مخالفة لها. وأما هل لهذه المواد إمكان أم لا؛ وهل هذا الشك صحيح فيها أم لا؛فليس هو بعلم منطقي؛ بل البحث عن أمثال هذه للفلسفة الأولى؛ فإنه متعلق بالبحث عن أحوال الموجودات. وهناك يتبين أنه يجوز أن يكون للذات الواحدة من الذوات التي ليست بغاية البساطة لواحق كثيرة تلحق معا ليس بعضها قبل بعض؛ وأن في بعض الذوات البسيطة أحوالا تشبه هذا من جهة تركيب معنوي فيها، إذ لا تكون بساطتها بساطة مطلقة. وأكثر الموجودات هذه صورتها.
فقد تحصّل من هذا أن برهان الإن قد يعطي في مواضع يقينا دائما؛ وأما فيما له سبب فلا يعطي اليقين الدائم، بل فيما لا سبب له. ومن هذه الجهة نقول إن الرياضي لا يقين له في كثير من الأمور المنسوبة إلى الهيئة لأنه يأخذها من جهة ما وجدت بالرصد. كذلك صنيعه حين يستخرج مثلا أوج الشمس من جهة أن حركة الشمس غير مستوية في أجزاء فلك البروج سرعة وبطئا. فبطؤها للأوج وسرعتها للحضيض، ولا يعطى العلة في شيء من هذا وإنما يعطيها الطبيعي.