فهرس الكتاب

الصفحة 413 من 781

فإن قال قائل إنا رأينا صنعة علمنا ضرورة أن لها صانعا؛ ولم يمكن أن يزول عنها هذا التصديق - وهو استدلال من المعلول على العلة؛ فالجواب أن هذا على وجهين: إما جزئي كقولك هذا البيت مصور وكل مصور فله مصوّر. وإما كلى كقولك كل جسم مؤلف من هيولي وصورة؛ وكل مؤلف فله مؤلف. فأما القياس الأول: هو أن هذا البيت له مصور، فليس مما يقع به اليقين الدائم لأن هذا البيت مما يفسد فيزول الاعتقاد الذي كان إنما يصح مع وجوده. واليقين الدائم لا يزول. وكلامنا في اليقين الدائم الكلى. وأما المثال الآخر: هو أن كل جسم مؤلف من هيولي وصورة، وكل مؤلف فله مؤلف؛ فإن كون الجسم مؤلفا من هيولي وصورة إما أمر ذاتي للجسم به يتقوم؛ وإما عرض لازم. فإن كان عرضا لازما ما يلزمه لذاته ولا سبب له في ذلك، فيجوز ن يكون من قبيل ما يقوم عليه برهان الإن باليقين. فلنترك ذلك إلى أن تستبرأ حاله. وإن كان عرضا لازما ليس يلزمه لذاته بل لواسطة، فالكلام فيه كالكلام في المطلوب به؛ فلا يكون ما ينتج عنه يقينا بسببه. وإن كان ذاتيا أو كان من اللوازم التي تلزم لا بسبب؛ فالمحمول عليه"أن له مؤلفا"لا"المؤلف"فليس المحمول العلة، لأن العلة هي"المؤلف"لا"أن له مؤلفا". وليس"المؤلف"هو الحد الأكبر بل"إن له مؤلفا". فهذا هو محمول على الأوسط الذي هو"المؤلف"فإنك تقول إن المؤلف يوصف بأن له مؤلفا كما يقال للإنسان إنه حيوان. ولا نقول إن المؤلف مؤلف. ثم ذو المؤلف هو أولا للمؤلف، ثم للمؤلف من هيولي وصورة، سواء كان مقوما للمؤلف في (94 أ) أو تابعا لازما. وإذا كان ذو المؤلف في نفس الوجود هو أولا للمؤلف، فهو لما تحت المؤلف بسبب المؤلف على ما عرفت فيما سلف. فيكون اليقين حاصلا بعلة ويكون المؤلف علة لوجود ذي المؤلف للجسم، وإن كان جزء من ذي المؤلف - وهو المؤلف - علة للمؤلف. فقد بانَ أن الحد الأكبر في الشيء المتيقن اليقين الحقيقي لا يجوز أن يكون علة للأوسط؛ عسى أن يكون فيه جزء هو علة للحد الأوسط.واعتبار الجزء غير اعتبار الكل: فإن المؤلف شيء وذو المؤلف شيء آخر: فإن ذا المؤلف هو بعينه محمول على المؤلف؛ وأما المؤلف فمحال أن يكون محمولا على المؤلف. لكن لقائل أن يقول إنه يجوز أن يكون الحد الأكبر غير مقول للأوسط؛ بل هو أمر لازم له ومع ذلك ليس بمعلول له، بل هو أمر مقارن له، وكلاهما معا في الوجود، ولكليهما علة في الوجود واحدة يشتركان فيها مثل الحال بين الأخ والأخ. كيف يمكننا أن نقول إن لزوم وجود الأخ عن الأخ - إذ جعلناه حدا أوسط - لزوم عن علة؟ ومع ذلك فإنه يقيني لا شك فيه. وكذلك إذا علمنا أن هذا العدد ليس بزوج علمنا بتوسطه أنه فرد علما باليقين لا يزول البتة. وليس ذلك عن علة: فإنه ليس أنه ليس بزوج علة كونه فردا؛ بل الأولى أن يكون كونه فردا هو أمر في نفسه علة لكونه ليس بزوج، وهو أمر خارج عن ذاته، إذ هو باعتبار غيره. فيجب أن ننظر في هذه ونحلها فنقول: أما إذا كان هاهنا أمران ليس أحدهما متعلقا بطبيعة الآخر، بل تعلق أحدهما أو كلاهما بشيء آخر، فإنه ليس أحدهما يحب الآخر، بل مع الآخر. وإذا كان كذلك فليس أحدهما يتيقن بالآخر. وأما إذا كان أحدهما علم من جهة العلة؛ فإن كان الآخر علم أيضًا من جهة العلة فتوسيط الأمر الآخر لا يفيد يقينا بذاته؛ إذ قد حصل ذلك من جهة العلة. وأما إن كان أحدهما يعلم من جهة العلة والآخر مجهول لم يعلم بعلمه، ثم من شأنه أن يعلم به الآخر، فليس بينهما حال الإضافة؛ فإن المضافين يحضران الذهن معا. وإذا لم يكن كذلك لم يكن هذا جاريا مجرى الأخ والأخ إذ كان أحدهما أعرف للأصغر من الآخر؛ لكن الآخر الذي هو الأكبر معروف للأوسط. فلو كانت العلة الموجبة للأوسط توجب ذلك أيضًا للأصغر، لم يفتقر إلى الأوسط. فإنه إن كان في ذاته بحيث يجب للأصغر بالأوسط - وليس هو باعتباره بالأوسط وحده في حد الإمكان له - فللأوسط مدخل في عليته، وفُرض لا كذلك. وإن كان اعتباره بالأوسط اعتبار شيء له إمكان بعد في الأصغر - ليس بوجوب - فلا يجب من جهة الأوسط أن يقع يقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت