فهرس الكتاب

الصفحة 414 من 781

واعلم أن توسط المضاف أمر قليل الجدوى في العلوم. وذلك لأن نفس علمك أن زيدا أخ هو علمك بأن له أخا؛ أو يستعمل على علمك بذلك. فلا تكون النتيجة فيه شيئا أعرف من المقدمة الصغرى. فإن لم يكن كذلك، بل بحيث يجهل إلى أن يتبين أن له أخا؛ فما تصورت نفس قولك زيد أخ. وأمثال هذه الأشياء الأوْلى ألا تسمى قياسات فضلا عن أن تكون براهين.

أما الاستثناء المذكور فلا يخلو: إذا استثنى فقال: لكنه ليس بزوج - أي ليس له حد الزوجية - إما أن يقول ذلك لمقدمة غير موجبة لذاتها أن يكون ليس بزوج، فيكون العلم بهذه المقدمة غير يقيني؛ فلا تكون النتيجة بأنه فرد من جهة هذا البيان يقينية. وإما أن يكون علم بذلك للعلة الموجبة لأنه ليس بزوج - ولا علة لذلك إلا فقدان حد الزوج؛ وليس يمكن أن يفقد حد الزوج إلا بأن يؤجد أولا حد الفرد - فيكون هذا القياس مما لا فائدة فيه: لأنه ينتج ما قد علم قبل الاستثناء. وإنما يفيد من القياس الاستثنائي ما ينتج ما يعلم بعد الاستثناء.

وأما قياس الخلف فإنما يفيد برهان الإن لأنه يبين صدق شيء بكذب نقيضه لإيجابه المحال. وهذه كلها بأمور خارجة. لكنه في قوته أن يعود إلى المستقيم فيكون منه ما في قوته أن يكون برهانا.

وبعد هذا كله يجب أن يعلم أنه لا يكفي في اليقين التام الدائم أن يكون الأوسط علة لوجود الأكبر في الأصغر فقط؛ وأن يعلم أن أكثر الأمثلة الموردة في التعليم الأول المقتصرة على هذا القدر إنما أوردت على سبيل المسامحة؛ مثل حال الشجر؛ وعرض ورقه؛ وجفاف الرطوبة؛ والانتشار؛ وحال القمر وستر الأرض والكسوف. وتلك لأنه إذا كان الأوسط ليس دائم الوجود للأصغر، فإنه لا يجب أن يدوم ما يوجبه وما هو علة له. فإن كان علة فيكون ما يفيده من اليقين إنما يفيده وقتا ما.

ولقائل أن يقول: فكيف يكون حال الأصغر من الأوسط في البراهين؟ فنقول: يجوز أن يكون الأصغر علة للأوسط تقتضيه لذاتها بلا توسط علة اقتضاء النوع لخواصه المنبعثة عنه انبعاثا أوليا. لكن الأوسط علة لا للأصغر في ذاته، بل في بعض أحكامه وخواصه التي هي تابعة للأوسط، مثل"كون زوايا المثلث مساوية لقائمتين"، إذا جعلناه الأوسط وفرضنا أنه كذلك بالقياس إلى الأصغر - وليكن المثلث، وليكن الأكبر"كون زوايا المثلث نصف زوايا المربع".

ويجوز أن يكون الأصغر من خواص الأوسط التي يقتضيها الأوسط؛ ثم الأوسط علة لحكم يقارن الأصغر. وأما كيف يكون الأكبر والأصغر معا لازمين لشيء وليس أحدهما علة تقتضي الآخر، فقد علمت الوجه فيه. وأما قياس الأكبر من الأوسط فما علمت.

ولكن لقائل أن يقول إنه إذا ثبت حكم على الأصغر فصحت النتيجة فأردنا أن نجعلها كبرى قياس ما، فكيف يكون ذلك القياس في إفادة اليقين؟ فنقول إن الأصغر إذا صار أوسط وقد صار الأكبر بينا له بعلة؛ فقد صارت تلك العلة بعينها علة لكل ما يوصف بالأصغر؛ فقد صارت علة أيضًا للأصغر الثاني؛ إلا أنها علة للأصغر الثاني بواسطة؛ وللأول بغير واسطة.

وليس برهان اللم هو الذي يعطي العلة القريبة بالفعل فقط؛ بلهو برهان لم وإن يفعل ذلك بعد أن يكون إنما يبيّن ما يبيّن بالعلة واليقين، وكان ينحل البيان فيه إلى العلل. والذي سنقوله من أن البرهان إذا أعطى العلة البعيدة من الحد الأكبر لم يكن برهان لم، فهو أن يكون مثلا الحد الأصغر ج والحد الأوسط ب والحد الأكبر أ ؛ لكن ب ليس علة قريبة لكون ج أ ؛ إنما هو علة لذلك لأجل أنه د. وإذا أعطينا أن ب أ لم يخل إما أن يكون يقينا لنا أن ب أ ومقبولا عندنا، أو لا يكون. فإن لم يكن مقبولا لم يكن هذا القياس برهانا، فضلا عن أن يكون برهان إن. وإن مقبولا لا من جهة د لم يكن يقينا بأن كل ب أ يقينا تاما، وكان إنتاجنا أن كل ج أ لأنه ب غير متيقن يقينا دائما تاما. فأما إذا كان قد تقدم العلم بأن كل ب أ لأجل أن د أ ، أو تأخر ذلك، فإن البرهان حينئذ لا يكون برهان إن مجردا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت