فهرس الكتاب
وأما الرأي الثاني فإن أصحابه لما لزمهم هذا المأخذ من الاحتجاج اضطروا إلى أن يقولوا إن للبراهين مبادئ أُول. وكانوا وضعوا أن كل شيء يتبين ببرهان، فوقعوا في أن قالوا إن هذه المبادئ يكون البرهان منها عليها بعضها على بعض؛ فيبرهن هذا المبدأ بذلك المبدأ، وذلك بهذا على سبيل الدور. فحسبوا أنهم حفظوا وضعهم أن البرهان موجود، ووضعهم أن على كل شيء برهانا معا، وتخلصوا على ذهاب المبادئ والمقدمات إلى غير النهاية.
وكلا الرأيين باطل. والمقدمة المؤدية إلى الرأيين - وهي أن كل علم إنما يقع بالبرهان، وأنه إما ألا يكون علم أو يكون ببرهان - باطلة. بل الحق أن يقال. إما أن يكون كل شيء مجهولا، أو يكون شيء معلوما. والمعلوم إما معلوم بذاته أو معلوم ببرهان. وليس كل شيء مجهولا: فإنه لو كان كل شيء مجهولا لم يكن قولنا"كي شيء مجهول"بمعلوم، ولا كل شيء معلوم ببرهان: فإنه لو كان كل شيء يعلم ببرهان، لكان كل برهان يعلم ببرهان، وهذا محال، فمن الأشياء ما يعلم بذاته. ولو تمموا القياس على هذا النسق لم يلزمهم ما لزمهم. وكيف يكون على كل شيء برهان وقد علمت أن البراهين تكون بمتوسطات بين حدين، ولا يمكن أن يكون بين كل اثنين من المتوسطات بعدد ما بين الطرفين الأولين أيضًا: لأنه لابد في كل ترتيب عددي، كان متناهيا أو غير متناه، من تلو واحد لآخر. فإذا كان مثلا بين ج ، ب متوسطات بلا نهاية لزم محالان: أحدهما أن يكون بين كل اثنين من المتوسطات متوسطات بعدد ما بين الطرفين في أنه لا نهاية له، فيكون بين محصور الجانبين مرتبا مثل الكل الحاصر - وهذا خلف. والثاني أن هذه المتوسطات وإن كانت تذهب إلى غير النهاية، فلكل واحد مما لا نهاية له من جانبيه جاران. ومعلوم أنه ليس بينه وبين جاره واسطة: فتكون إذن بعض المقدمات التي في الوسط له، وهو من مبادئ البرهان لا محالة. ووُضع أن كل علم بوسط: فيكون بعض ما هو مبدأ البرهان غير معلوم: هذا خُلف.
فبيّن إذن أنه ليس كل علم ببرهان. وإن بعض ما يُعلم يُعلم بذاته بلا وسط، فيكون عند النهاية في التحليل، ويكون هو وما يجرى مجراه المبدأ الذي تنتهي إليه مقدمات البراهين. فلا يكون أيضًا ما ظُنّ من أن مقدمات البراهين إما أن تكون بلا نهاية، أو توقف في كل برهان عند أصل موضوع بلا بيان حقا. بل الحق أن ذلك ينتهي إلى بيّن بنفسه بلا واسطة.
وأما الذين ظنوا أنهم يتخلصون من الشبهة بأن يجعلوا البراهين منتهية إلى أوائل بيّن بعضها ببعض، فقد فُسخ طريقهم في التعليم الأول، فقيل إن البيان بالدور ليس ببيان البتة، وبيّن ذلك بحجج ثلاث: إحداهما أن بيان الدور يوجب أن يكون شيئان كل واحد منهما أكثر تقدما واعرف من الآخر، وكل واحد منهما أشد تأخرا وأخفى من الآخر، لا من وجهين مثل أن يكون أحدهما بالقياس إلينا والآخر بالقياس إلى الطبيعة، حتى يكون ما هو أعرف فهو أعرف عندنا وأخفى عند الطبيعة، فإن هذا يمكن. ولكن العرف فيما يتعلق بالبيان الدوري في الشيئين جميعا من جهة واحدة، وبالقياس إلينا وحده، أو بالقياس إلينا وإلى الطبيعة معا: لأنه لا بد من أن يكون ما يؤخذ مقدمة في قياس ما أعرف عندنا من النتيجة. ثم قد يكون مع انه أعرف أقدم بالطبع. وقد لا يكون كذلك، بل يكون ما هو أعرف عندنا متأخرا عند الطبيعة كجزئيات الاستقراء الشخصية. وإذا كان كذلك حصل الشيء الواحد بعينه أعرف عندنا من شيء، وأقل معرفة منه بعينه، وهذا مستحيل جدا.
والحجة الثانية - أن المبرهن بالدور يكون في الحقيقة مصادرا على المطلوب الأول. وذلك لأنه إذا كان يبين مقدمة بمقدمة، ثم كانت تلك المقدمة تبيّن نفسها بالمقدمة الأولى، أو تبين بمقدمة أو مقدمات تبين بالمقدمة الأولى: سواء كانت تلك المقدمات وتلك الأوساط واحدة أو كثيرة، أي كثرة كانت، فإنه إنما يبين الشيء بما يتوقف بيانه على بيان الشيء، فيكون إنما تبيّن الشيء ببيان الشيء نفسه، وهذا محال: لأن القول بأن الشيء موجود لا يفترق فيه الحال بين انه يوضع وضعا بلا بيان لميّته، وبين أن يقال إن الشيء موجود لأن الشيء موجود فقط ولا يزداد. فإن كان لا يقبل أن الشيء موجود، فلا يقبل أيضًا أن الشيء موجود لأن الشيء موجود. وإن كان لا يقبل أن الشيء موجود لأن الشيء موجود، فلا يقبل البيان بالدور.