فهرس الكتاب
والحجة الثالثة - أنه قد تبين في أنولوطيقا الأولى أن البيان بالدور كيف يكون وفي أي شيء يكون؛ فإنه لا بد من أن يقع في حدود أقلها ثلاثة، وأن يكون بعضها منعكسا على بعض مساويا له. واتفاق مثل هذه في البراهين قليل. وكيف يمكن أن يتفق أن تكون المبادئ الولى للبراهين كلها على هذه الشريطة حتى يتبين بعضها ببعض الدور؟ وهذه - أعني مبادئ البراهين - كثيرة جدا لا يتفق في جميعها أن تكون حدودها متعاكسة. فإن لم يتفق هذا في بعضها لا يتبين بالدور. ونِعم ما قيل: إن هؤلاء يعالجون الداء بأدوى منه. فإنهم لما أرادوا أن يتخلصوا من لزوم أن لا برهان، أو لا بد من ذهاب مبادئ البرهان إلى غير النهاية، فجعلوا مبادئ البرهان محتاجة في أن تعلم إلى ما لا يعلم إلا بها، فآل أمرهم إلى أن جعلوا مبادئ البرهان لا تعلم البتة ولا يعلم بها شيء.
على أن بيان الدور لا يخلص من الذهاب إلى غير نهاية، فإن الدور نفسه ذهاب إلى غير النهاية، ولكن في موضوعات متناهية العدد. فلا هم تخلصوا من الشناعة المبطلة للعلم، ولا تخلصوا من الذهاب إلى غير النهاية.
ولما كانت مقدمات البرهان تفيد العلم الذي لا يتغير ولا يمكن أن يكون معلوم ذلك العلم بحال أخرى غير ما علم به، فيجب أن تكون مقدمات البرهان أيضًا غير ممكنة التغير عما هي عليه. وهذا المعنى أحد المعاني التي تسمى ضرورية. فلنُعدّ الوجوه التي يقال عليها"الضروري".
وكانا أومأنا إلى ذلك في بعض ما سلف فنقول: إن"الضروري"إما أن يقال بحسب الوجود المطلق بلا شرط: وهذا الذي لا يمكن البتة أن يفرض معدوما في وقت من الأوقات. وإما أن يقال بحسب العدم المطلق، وهو الشيء الذي لا يمكن البتة أن يفرض موجودا في وقت من الأوقات، وإما أن يقال بحسب وجود حمل ما أو عدم حمل ما وهو سلبه. وهذا على أنحاء خمسة: فيقال إما أن يكون السلب والإيجاب دائما لم يزل ولا يزال: كقولنا الباري واحد، والباري ليس بجسم. أو يكون السلب والإيجاب ليس دائما على الإطلاق، بل دائما ما دام ذات الموضوع موجودا ذاتا كقولنا: كل إنسان حيوان بالضرورة، أي ما دام كل إنسان وكل موصوف بأنه إنسان - وهو الموضوع - موجود الذات: فإنه يوصف بأنه حيوان لا دائما: فإن كل إنسان يفسد فلا يبقى اتصافه بأنه حيوان دائما، أو يكون لا ما دام ذات الموضوع موجودا، بل ما دام ذاته موصوفا بالمعنى الذي جُعل موضوعا معه. مثاله: كل أبيض فهو بالضرورة ذو لون مفرق للبصر لا دائما لم يزل ولا يزال، ولا ما دام ذات الموصوف بأنه أبيض موجودا - فإن بعض الذوات الموصوفة بأنها أبيض قد تزول هذه الصفة عنها مع وجودها ويزول أيضًا ما يلزم هذه الصفة وهو ذو لون مفرق للبصر - بل ما دامت الذات موصوفة بأنها أبيض فإنها تكون لا محالة موصوفة بأنها ذات لون مفرق للبصر. أو تكون الضرورة فيه بشرط ما دام المحمول موجودا. وهذا يصح في كل وجود وفي كل نحو من الضرورة مما سبق ذكره وما يجيء بعد: فإن كل موجود ضروري الوجود أو غير ضروري الوجود فإنه ما دام موجودا فلا يمكن ألا يكون موجودا بشرط ما دام موجودا. ولكن إنما يفرد هذا القسم فيما لا كون لمحموله ضرورة إذا رفع (97 ب) هذا الشرط البتة. كقولنا كل إنسان فإنه قاعد بالضرورة ما دام قاعدا، ولا نقول قاعد بالضرورة ونسكت. فمادة هذه الجهة من الضروريات ممكنة للكل من الموضوع وفي كل لوقت. وبهذا تفارق الأقسام الأخرى. أو تكون الضرورة متعلقة بشرط وقت كائن لا محالة - لا بشرط وضع أو حمل - مثل إن القمر ينكسف بالضرورة - أي وقت ما، وبعض الشجر ينتثر ورقه بالضرورة ويورق في الربيع بالضرورة. وقوم حسبوا أن هذا القسم هو الذي قبله: لأن القمر ينكسف بالضرورة ما دام منكسفا، وليس كذلك: بل هذا قسم على حدة وإن كان يصح عليه شرط ذلك القسم كما يصح في سائر الأقسام السالفة، وذلك لأن هذا القسم له وقت ضروري لا يمكن ألا يكون فيه. والقسم الذي قبله ليس له وقت ضروري؛ بل ضرورته اشتراط وجود نفسه، واشتراط وجود نفسه صالح في كل وقت. وهذا القسم في وقته ضروري الوجود - ل لأنه موجود وبشرط وجوده فقط، بل على الإطلاق. وهو في ذلك الوقت لا يمكن ألا يكون.وليس انكساف القمر وقت انكسافه كقعود زيد وقت قعوده. ولا يحتاج إلى أن نطول الكلام في هذا فإن المقدار الذي قلناه واضح.