فهرس الكتاب

الصفحة 428 من 781

والقسم الرابع لا يدخل في إنتاج النتائج البرهانية الضرورية بذاتها: بل إن كانت من مواد ممكنة أكثرية صلحت أن تنتج نتائج إمكانية أكثرية. وأما سائر الأنحاء فتستعمل في البرهان إن كانت محمولاتها ذاتية. وسنفصل الذاتي بعد. ولكن كل نحو يفيد نتيجة مثل نفسه. وإنما صلحت أن تدخل في البرهان لأنها تصلح أن تفيد اليقين. وإنما صلحت لأن تفيد اليقين لأن كل واحدة منها فهي من الجهة التي صار بها ضروريا ممتنع التغير، فما يلزمه من النتيجة ممتنع التغير.

وكنا إذا قلنا في"كتاب القياس"إن كل ج ب بالضرورة، عنينا أنكل ما يوصف بأنه ج - كيف وُصف بج - دائما أو بالضرورة، أو وصف به وقتا ما، أو بالوجود الغير الضروري، فهو موصوف كل وقت ودائما بأنه ب ، وإن لم يوصف بأنه ج. وأما في هذا الكتاب فإنا إذا كل ج ب بالضرورة، عنينا أن كل ما يوصف بأنه ج بالضرورة فإنه موصوف بأنه ب. لا - بل معنى أعم من هذا وهو أن كل ما يوصف بأنه ج فإنه ما دام موصوفا بأنه ج فإنه موصوف بأنه ب ، وإن لم يكن موجود الذات، لأن المحمولات الضروريات هاهنا أجناس وفصول وعوارض ذاتية لازمة. ولزوم هذه بالضرورة على هذه الجهة. فإنه ليس إذا وصف شيء بنوع ما يجب أن يوصف بجنسه أو فصله أو حده أو لازم له دائما. بل ما دام موصوفا بذلك النوع؛ فإذا زال فإن حده يزول لا محالة. وكثير من فصوله لا محالة. وأما الجنس فربما زال. مثلا إذا استحال الأبيض فصار مُشِفّا؛ أو الحلو فصار تفِهًا لا طعم له؛ فزال حينئذ النوع وجنسه، وهو الأبيض واللون؛ وزال الحلو والطعم معا. وربما لم يزل كما إذا استحال الأسود فصار أبيض، بطل حمل النوع ولم يبطل حمل الجنس.

ولأن المقدمات البرهانية قيل فيها إنها يجب أن تكون كلية؛ فلنبين كيف يكون المقول على الكل في المقدمات البرهانية فنقول: أما في"كتاب القياس"فإنما كان المقول على الكل بمعنى أنه ليس شيء من الأشياء الموصوفة بالموضوع كج مثلا إلا والمحمول كب مثلا موجود لها إن كان القول الكلى موجبا، ومسلوب عنها إن كان القول الكلى سالبا. ولم يكن هناك شرط ثان: وهو أن الوجود والسلب يكون في كل زمان، بل في المطلقات - لقد كان يجوز أن يكون المحمول موجودا في كل واحد من الموصوفات بالموضوع وقتا ما ولا يوجد وقتا.

وأما هاهنا فإن المقول على الكل معناه أن كل واحد مما يوصف بالموضوع، وفي كل زمان يوصف به - لا في كل زمان مطلقا - فإنه موصوف بالمحمول أو مسلوب عنه المحمول. وذلك لأن هذه المقدمات كليات ضرورية. والضروري تبطل كليته بشيئين: إما أن يقال إن من الموضوع واحدا ليس الحكم عليه بالمحمول موجودا: كالكتابة للإنسان: لأنه ليس كل إنسان كاتبا. أو يقال إن من الموصوف بالموضوع ما هو في زمان ما ليس يوصف بالمحمول، كالصبي لأنه لا يوصف بعالم. فهذان يبطلان كون المقول على الكل ضروريا.

وإن قال قائل: إنكم أخذتم الضروريات التي بمعنى"ما دام الموضوع موصوفا"من جملة المطلقات في كتاب القياس، فكانت هناك كليات مطلقة، وكانت كليتها لا تبطل بالخلل الواقع من جهة الزمان، فالجواب: فأنا إنما كنا نأخذها مطلقات بأن نرفع عنها جهة الضرورة؛ وهاهنا أثبتنا لها جهة الضرورة في المحمول. وحيث كنا نجعلها مطلقة فما كنا نقول إن الضروري - ما دام الموضوع موصوفا بما وصف به - مطلق من جهة هذه الضرورة بالفعل، بل مطلق من جهة إمكان اشتراط هذه الضرورة فيه، لا إمكان الضرورة الحقيقية، حتى إن المقدمة التي إذا اشترط فيها الضرورة لم يمكن أن تشترط إلا من هذه الجهة، فهي مطلقة إذا خلت من هذه الشرائط والجهات. وفرق بعيد بين إمكان اشتراط شيء وبين اشتراطه بالفعل. فهاهنا إذا اشترطت الضرورة انتقضت بالخلو عن الحكم أي زمان كان، وهناك إذا لم تشترط الضرورة، بل كانت القضية مطلقة بلا شرط بالفعل، فلم تنتفض بالخلو عن الحكم زمانا إذ وجد زمانا وكان لم يشترط دوام الحمل للوضع. ولو اشترط هناك شرط الضرورة فكان بالضرورة ما دام موصوفا بالموضوع، فلم يوجد في بعض زمان اتصافه به، لكان القول منتفضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت