فهرس الكتاب
فهذه الوجوه الخارجة عن غرضنا هاهنا. بل الداخل في غرضنا هو المذكوران الأولان: فإنه قد يطلق لفظة"ما بذاته"مرادفة لما هو مقول من جهة"ما هو"على المعنى المذكور في هذا الفن: فيقال للمقوم ذاتي لما يقومه وبذاته له. وقد يطلق لفظة بذاته والذاتي ويعني به العرض المأخوذ في حد الموضوع أو ما يقومه على ما قيل - وربما قيل على معنى أخص وأشد تحقيقا - ويعني به ما يعرض للشيء أو يقال عليه لذاته ولما هو هو، لا لأجل أمر أعم منه، ول لأجل أمر أخص منه. وحين استعمل على هذا المعنى في التعليم الأول فقد يتضمن شرط الأولية. فلذلك من غير استثناء وشرط أنتج منه أنه يجب أن يكون أوليا. وإذا لم يفهم ذلك شوش ونوقض وقيل: ما كان يجب أن يقال إن لذاته هو الذي لما هو هو. والسبب فيه أنه لم يفهم هذا الاشتراك الأول. ولذلك قيل: لا الموسيقى ولا البياض بذاته للحيوان: لأن الموسيقى من خواص الإنسان فتكون للحيوان بسبب أنه إنسان. وأما البياض فهو له لأنه جسم مركب. ومن هذه الأعراض الذاتية ما هو ضروري مثل قوة الضحك للإنسان، ومنه ما هو غير ضروري مثل الضحك بالفعل للإنسان.
وقد بلغ من عدول بعض الناس عن الحجة في هذا الباب لسوء فهمه أن ظن أن المحمولات في البراهين لا تكون البتة إلا من المقومات، لأنه لما جرت العادة عليه في تأمله لكتاب"إيساغوجى"بأن يسموا المقوم ذاتيا، ولا يفهم هناك من الذاتي إلا المقوم، ظن أن الذاتي في"كتاب البرهان"ذلم بعينه وهو العلة. قال: وليس كل علة، فإن الفاعل والغاية لا يصلح أن يجعل أحدهما وسط برهان، بل المادة أو ما يجري مجراها وهو الجنس، أو الصورة أو ما يجري مجراها وهو الفصل؛ وإن محمولات المطالب أيضًا هي هذه بأعيانها؛ وإنه إنما تكون المقدمة الكبرى ذاتية إذا كان محمولها ذاتيا بمعنى المقوم للموضوع. وقال الحد الأوسط يكون ذاتيا لكلا الطرفين يعني المقوم. وحين سمع قسمة الذاتي لم يعلم أن الذاتي في كلا القسمين المستعملين هو المحمول، بل حسب أنه المأخوذ في الحد فظن أن القسمة هكذا: أن من الذاتيات ما هو محمول مأخوذ في حد موضوعه؛ ومنه ما هو موضوع مأخوذ في حد المحمول، ليس أن ذلك المحمول يكون ذاتيا للموضوع، بل الموضوع.