فهرس الكتاب
وقد رأيت بعض المنتسبين إلى المعرفة ممن كانت عبارة هذا الإنسان أقرب إلى طبعه فعول عليه في المنطق، فاعتقد جميع هذا فألزمه لزوم هذا المنهج أن قال: كل محمول ضروري غير مفارق فهو مقوم؛ وألا معنى للخاصة التي تعم النوع كله في كل وقت؛ وأن الخاصة مما لا يمتنع مفارقته؛ وأن كون المثلث المتساوي الساقين ذا زاويتين متساويتين عند القاعدةفصل لا خاصة؛ وان كون كل مثلث ذا زوايا مساوية لقائمتين فصل لا خاصة؛ وأن هذه مقومات لموضوعها. ومع ذلك فيجعل الحد الأوسط علة موجبة للكبر حتى يكون البرهان برهانا. ويعترف أن ذلك كثيرا ما يكون مساويا، ويعترف أن كل مقوم علة، وأن المعلول ليس بمقوم، فيكون الأكبر المعلول ليس مقوما بل لازما، وقد فرضه محمولا ذاتيا بمعنى المقوم. ومع أن يكون لازم غير مقوم - ومع ذلك فإن المقدمة تكون ذاتية ومحمولها ليس بذاتي بمعنى المقوم. ويعترف أن المعلول ربما كان لازما عن العلة دائما لا يفارقه. وأيضًا فإنه مع قوله ذلك يعترف أن مثل المساوي زواياه لقائمتين إن كان مقوما لمثل المثلث فلا يكون المثلث مقوما له: لأن المقوم علة، والشيء لا يكون للشيء الواحد علة ومعلولا إلا بسبيل العرض: لأن كل مقوم متقدم؛ والمتقدم لا يكون متأخرا عن نفس ما هو متقدم. ويعترف أنه ليس كل ما هو مع شيء دائما فهو علة، بل يحتاج أن يكون مع المعية مقوما، والآخر مع المعية غير مقوم. فيكون المحمول في الأكثر - لأنه ذاتي - مقوما للأوسط. ولأن الأوسط في البرهان علة للأكبر عنده مطلقا، فهو متقوم بالوسط. وأيهما كان غير مقوم فهو لازم لزوما (598) كليا. وما لازم لزوما (598) كليا فهو ذاتي: فهو مرة أخرى مقوم.فما أخلق بالعاقل أن يتعجب من عقول هؤلاء! وأنت تعلم أن جميع المطالب في علم الهندسة والعدد تطلب عن أمور لازمة غير مقومة بوجه. فإنك لا تجد فيها قياسا يطلب عن محمول جنسي أو فصلي. والعجب من ذلك الأول المتشبه به إذ أنكر أن تكون العلة الفاعلة وسطا، ثم إنه في الحال ضرب المثل بتوسط قيام الأرض في الوسط في إثبات الكسوف: وذلك في الحقيقة علة للكسوف وتؤخذ في حد الكسوف. والعفونة تؤخذ في حد صنف من الحميات. وكثير من الأسباب الفاعلية والغائية تؤخذ في الحدود والبراهين كما يأتيك بيانه من بعد.
والعجب الآخر أن المثال الذي أورده هو قيام الأرض في الوسط: وذلك علة لانمحاق الضوء مقومة له، لا متقومة به، وعارض خاصي للقمر الذي هو الحد الأصغر، لا مقوم له. ومما يغرهم ما يقال من أمر الحد وأنه مناسب للبرهان، فيحسبون أن كل برهان ينحل إلى الحد، وإذا انحل إلى الحد كان المطلوب هو الحد الأوسط أو الأصغر كذلك. إن كان فإنما يكون ذلك بين الأوسط والكبر. وأن القائس القائل إن القمر تقوم الأرض بينه وبين الشمس: وما قامت الأرض بينه وبين الشمس أورثته ظلمة بالستر، لم يكن الوسط فيه حدا للقمر ولا جزء حد، ولا الأكبر حدا للأوسط بمعنى المقوم، ولا جزء حد له، لكنه معلول له. بل الوسط والأكبر كل واحد منهما أو مجموعهما - كما ستعلم - حد للمطلوب الذي الكسوف، وهو عرض ذاتي من الأعراض التي للقمر، وليس شيئا مقوما له حتى يكون ذاتيا بالمعنى الذي عندهم.
وهذا الطغيان إنما يعرض لهم من سببين ، أحدهما بسبب ما جرت به العادة من استعمال لفظة الذاتي في"كتاب إيساغوجى". ولم يعلموا أنه لا الذاتي ولا الضروري ولا الكلى في هذاالكتاب هو ما قيل في كتاب قبله. والثاني تفخيم أمر البرهان إذ جعلوه من الذاتيات المقومة، إذ كان الذاتي المقوم بتخيل عندهم أنه أشرف؛ والبرهان أيضًا بالحقيقة هو أشرف. فيتوهمون أنه يجب أن تكون مقدمات البرهان من الأشرف لا غير، كما لو قال قائل إنه لا يجب أيضًا أن يكون برهان على سالب لأنه خسيس، أولا يجب أن يكون برهان على الأمور الطبيعية أو التعاليمية، بل إنما يناسب البرهان الأشرف من الأمور وهو الأمر الإلهي: فإنه إن كان للأشرف في هذا الكتاب مدخل، وكان المدخل ليس على سبيل شرف المناسبة واصدق، بل الشرف الآخر، وكان يجب أن يعتبر هذا في المبادئ، فيجب أن يعتبر أيضًا في المسائل: فيكون إنما يجب في المقدمات أن تكون ذاتية المحمولات بمعنى المقوم الفائز بالشرف إذا كانت مختصة بالعلم الإلهي لشرفه.