فهرس الكتاب

الصفحة 433 من 781

لكن ليس هذا وأمثاله بشيء. ولا يجب أن يصغي الرجل العلمي إلى ما يفزع إليه القاصرون من أن ذا شريف وذا خسيس، بل إلى الموجود في نفس الأمور. فلنعرض عن أمثال هؤلاء الخارجين، ولنصر إلى غرضنا في تحقيق الأعراض الذاتية فنقول: إنما سميت هذه أعراضنا لأنها خاصة بذات الشيء أو جنس ذات الشيء: فلا يخلو عنها ذات لاشيء أو جنس ذاته - إما على الإطلاق مثل ما للمثلث من كون الزوايا الثلاث مساوية لقائمتين، وإما بحسب المقابلة إذا كان الموضوع لا يخلو عنه أو عن مقابله بحسب المضادة أو بحسب العدم الذي يقابله خصوصا: مثل الخط فإنه لا يخلو عن استقامة أو انحناء، والعدد عن زوجية أو فردية، والشيء عن موجبة أو سالبة.

فإذا اجتمع في هذه العوارض إن كان الموضوع لا يخلو عنه بأحد الوجهين المذكورين، وكانت ليست لغير الموضوع أو جنسه، كانت مناسبة لذاته. فلو كان الموضوع لا يخلو عنه، ولكن توجد لغيره من أشياء غريبة من ذاته أو جنسه - مثل السواد للغراب - لما كانت ذاتية له بوجه: إذا كانت لا تتعلق بذاته وبذات ما يقومه ولا ذات الشيء تتقوم بها. ولو كان الموضوع يخلو منه لا إلى مقابل مثلها، بل إلى سلب فقط، لكان ذات الموضوع لا يقتضيها في المقارنة ولا في التقويم بها. فأما إذا كانت من الأمور اللاحقة للموضوع، التي تقتضيها ذاتها، واختصت بجنسه ولزمته مطلقا، أو على التقابل، صارت تستحق أن تسمى أعراضا ذاتية.

ونقول: إن الأشياء الموجودة في موضوع موضوع للصناعات - لست أعني في موضوع موضوع للمسائل، أعني التي وجودها أن تكون فيه - هي التي تعرض لذلك الموضوع لذاته ولأنه ما هو هو. وأما اللوازم العرضية التي بهذه الصفة فإنها وإن كانت لازمة فهي خارجة عن أن تفيد الموضوع أثرا من الآثار المطلوبة له. وكيف وهي أعم من تلك الآثار: إذ تلك الآثار إنما توجد في الموضوع، وهي توجد خارجة عنه. فإن أخذت من حيث هي مخصصة بالموضوع صارت ذاتية مأخوذا في حدها الموضوع.

واعلم أن الأعراض الغريبة لا تُجعل مطلوبات في مسائل الصنائع البرهانية: وذلك لأنها إن أخذت من حيث تتخصص بموضوع الصناعة زال بذلك غرابتها. وإنما يمكن أن تخصص إذا كانت مناسبة للموضوع أو لجنسه أو لما هو كالجنس فيكون العام للعام والمخصص للمخصص. وما لم يكن كذلك لم يكن مستعملا في البرهان. وإن أخذت مطلقة فليس وجودها لموضوع الصناعة - من حيث هو موضوع الصناعة - إذ قد توجد في غيره فلا يكون النظر فيها من جنس النظر المخصوص بالصناعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت