فهرس الكتاب
ثم العلوم إما جزئية أو كلية. والعلم الجزئي إنما هو جزئي لأنه يفرض موضوعا من الموضوعات ويبحث عما يعرض له من جهة ما هو هو ذلك الموضوع. فإن لم يفعل كذلك لم يكن العلم الجزئي جزئيا، بل دخل كل علم في كل علم، وصار النظر ليس في موضوع مخصوص، بل في الوجود المطلق، فكان العلم الجزئي علما كليا ولم تكن العلوم متباينة. مثل هذا أن علم الحساب جعل علما على حدة لأنه جُعل له موضوع على حدة وهو العدد. فينظر صاحبه فيما يعرض للعدد من جهة ما هو عدد. فلو كان الحساب ينظر في العدد أيضًا من جهة ما هو كم: أو كان الناظر في الهندسة ينظر في المقدار من جهة ما هو كم، لكان الموضوع لهما"الكم"لا العدد ولا المقدار. وإن كان ينظر في العدد من جهة ما هو في مقدار ما، أو ذو مقدار، فيكون نظره في عارض للمقدار من حيث هو مقدار. وإن كان له أيضًا حين ينظر في المقدار من جهة ما هو عدد أن ينظر فيما يعرض للعدد من حيث هو عدد، كان العلمان قد صارا علما واحدا. وكذلك إن كان هذا ينظر في المقدار من جهة ما يقارن مبدأ حركة، فيكون له أن ينظر في الشيء من جهة له مبدأ حركة، لم يتميز علم من علم. أو كان صاحب العدد ينظر في العدد من جهة ما هو موجود، كان له أن ينظر فيما يعرض للموجود من حيث هو موجود، فكان الحساب لا يفارق الفلسفة الأولى. فذلك إذا كان موضوع صناعة ما جزئية - ولتكن الطب - أمرا - وليكن بدن الإنسان - وطلب عارض غريب ليس للإنسان من جهة ما هو إنسان - مثلا كالسواد المطلق والحركة المطلقة - فإن السواد للإنسان من جهة ما هو جسم مركب تركيبا ما، والحركة له من جهة ما هو جسم طبيعي، وكان له أن ينظر فيما يعرض للجسم المركب من حيث هو جسم مركب، أو من حيث هو جسم - لكان الطب هو عين العلم الطبيعي الكلي، ولم يكن علما جزئيا فكأن يكون أيضًا بيطرة وفلاحة، إذ كأن يكون كل واحد منهما العلم الطبيعي ويتحير فيه الفهم، إلا أن يجعل السواد سوادا مخصصا بالإنسان، ليس أن يجعله سوادا لإنسان بل سوادا هو بحال مع تلك الحال يكون للإنسان، حتى لا يكون تخصيص نسبة فقط، بل تخصيص لأمر خاص، لذلك الخاص تخصصت النسبة. فبيّن أن الأعراض الغريبة لا ينظر فيها في علم من البرهانيات. وإذا اتفق أن أنتج شيء من هذا في علم ما - وإن كان من مقدمات صادقة - فإنما يكون بيانا على سبيل العرض: لأن في مثل هذا القياس إما أن يكون الأوسط غريبا أو الأكبر. فإن كان الأوسط أمرا غريبا من هذا الموضوع فيكون مناسبا لموضوع آخر وللعلم الكلي، فيكون البرهان بالذات من صناعة أخرى، ويكون من هذه الصناعة بطريق العرض. فإن كان الأوسط مناسبا، لكن حمل الأكبر عله لا يكون لأنه هو، بل الأكبر المحمول غريب منه ومن جنسه - وإلا لكان الأكبر مناسبا ولا يكون أيضًا لأجل شيء داخل معه فيكون من حق الأوسط أن يكون بينه وبين الأكبر أوسط أخر قد ترك، وأخذت النتيجة لا عن وجهها الذي تبين به حين لم يؤخذ في بيانها مقدمة بيّنة بنفسها، ولا مقدمة يجري أمرها على أنها مبدأ لعلم وأصل موضوع، فلا يحصل من ذلك يقين مطلق ولا يقين لازم عن أصل موضوع. فلا يكون البيان بيانا حقيقيا بل بالعرض.