فهرس الكتاب

الصفحة 435 من 781

وقد ظن بعضهم أن السبب في ألا يستعمل في البراهين وسط من عرض غريب - وإن كان لازما - إنه لا يكون علة ذاتية للطرف الأكبر، فلا يكون البرهان"برهان لم". وليس المر على ذلك: فإن هذا النظر الذي نحن فيه ليس كله فيه"برهان لم"حتى إذا لم يكن للشيء"برهان لم"لم ينظر فيه في هذا الكتاب، وصار حينئذ قياسا خارجا عن القياسات التي في هذا الكتاب، فصار ذلك جدليا أو مغالطيا أو غير ذلك. فإنه ليس يصير القياس بأن ينتج شيئا صدقا من مقدمات صادقة مأخوذة من حيث هي صادقة، جدليا ولا مغالطيا ولا شيئا حقه أن يبان في فن آخر من الفنون الخارجة عن البرهان. ولا أقسام الصنائع القياسية أكثر من هذه الخمسة. بل هذا الكتاب يشتمل على بيان البرهان المطلق الواقع على ما يعطي اليقين بالإن فقط، وعلى ما يعطيه مع الإن اللم. فيكون العارض الغريب الذي ليس بعلة لا يجعل القياس خارجا عن البحث الذي في كتاب البرهان؛ ولا يوجب ألا يكون يقين. وكفى سقوطا بقول من يقول إن ما لا يعرف له علة لا يكون به يقين، انه يوجب ألا يكون له يقين بالبارئ جل ذكره إذ لا سبب لوجوده، فيعترف بأنه ضائع السعي في طلب العلم، إذ هو فاقد للشيء الذي يطلب له العلم، وهو اليقين بالبارئ تعالى جده. بل يجب أن يعلم أن العلة في تزييف هذا العارض ما هو مفهوم كلام المعلم الأول لمن فهمه: وهو أن هذا العارض إذا جعل وسطا كان الكبر إما مساويا له وإما أعم منه: وكيف كان الأكبر، كان أمرا غريبا عن موضوع الصناعة خارجا عن موضوع الصناعة. وذلك أن ما ساوى شيئا يقع خارج موضوع الصناعة فهو واقع خارجا، فضلا عما هو اعم منه. فإذا كان كذلك لم يكن الأكبر من الأعراض الذاتية بوجه من الوجوه. فإن كان الأكبر عرضا ذاتيا وكان الأوسط عرضا غريبا أعم منه، دل كما تدل العلامات التي هي أعم وجودا، وعلى ما قيل في الفن المتقدم. ويكون مثل هذا البيان بيانا إن وقع حقا فإنما يقع حقا على سبيل العرض.

وفي معنى"الأولى"وتتميم القول في"الذاتي"

وقد كان المقول على الكل في"كتاب القياس"مقولا على كل واحد وإن لم يكن في كل زمان. وكان المقول على الكل في"كتاب البرهان"مقولا على كل واحد وفي كل زمان يكون فيه الموضوع بالشرط المذكور. ثم قد يختلف في"كتاب البرهان"المفهوم من (المقول على الكل) ، ومن"الكلى"، فإن"الكلى"في"كتاب البرهان"هو المقول على كل واحد في كل زمان وأولا. فيكون كليا باجتماع شرائط ثلاثة. وكل واحد من نوعي الذاتي قد يقال أولا، وقد يقال غير أول. فإذا كان الشيء محمولا على كلية الموضوع مثل الجنس والفصل والعرض اللازم فغنما يكون أوليا له إذا كان لا يُحمل أولا على شيء أعم منه حتى يحمل بتوسط ذلك الشيء عليه. فإنا إذا قلنا"كل إنسان جسم"فإن الجسم ليس أوليا للإنسان: لأن الجسم يُحمل على الحيوان فيكون حمله على الحيوان قبل حمله على الإنسان. فلا يتوقف حمله على الحيوان أن يكون محمولا على الإنسان. ولا يحمل على الإنسان إلا وقد حُمل على الحيوان. والشيء الذي يكون لشيء ولم يكن لآخر، لا يكون للآخر إلا وقد كان له، فهو لاشيء أولا وقبل كونه للآخر.

وإذا تعقبت أصناف ما يقال أولا وقبل، وجدتها تدخل في هذه الخاصية - كان بالطبع أو بالعلية أو بالمكان أو بالزمان أو بالشرف أو غير ذلك.

فتبين أن كل محمول على أعم من الموضوع فهو محمول على الأعم أولا، وعلى الموضوع ثانيا. وعلى هذا القياس إذا قلنا"كل متساوي الساقين فزواياه الثلاث مساوية لقائمتين"فإن ذلك مما يوجد لغير متساوي الساقين من المثلثات. فهو إذن للمثلث أولا، ولمتساوي الساقين ثانيا. وهذا الصنف الأول ربما كان المحمول أولا فيه أعم من الموضوع، كالجسم للحيوان في المثال الأول، والحيوان للإنسان. وربما كان مساويا مثل مساواة الزوايا لقائمتين - للمثلث. وهذا ربما كان داخلا في الماهية كما في المثال الأول، وربما كان عرضا ذاتيا كما في المثال الثاني.

ويجوز أن يكون الموضوع الذي يعرض له العارض أولا مقوما لماهية الموضوع الذي يعرض له ذلك ثانيا: مثل المثلث: فإن كون الزوايا هكذا يعرض له أولا. وأما متساوي الساقين فإنما يعرض له ذلك ثانيا، فيكون عارضا أولا لجنسه، وعارضا ثانيا له. وجنسه يقوّمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت