فهرس الكتاب

الصفحة 436 من 781

ويمكن أن يكون عارضا لعارض للموضوع: مثل الزمان فإنه أولا للحرجة ثم للجسم، والحركة عارضة للجسم. وعسى ألا تكون هذه الأولية معتبرة في هذا الموضع، بل تكون الأولية في هذا الموضع هي ألا يكون الشيء محمولا على أعم من الذي قيل إنه له أولا وإن كان محمولا عليه بالحقيقة؛ بل في الحقيقة إنما قام على ما هو له أول. فإن من بيّن أن كل مثلث متساوي الساقين فإن زواياه مساوية لقائمتين، فلم يبين ذلك بالحقيقة من جهة ما هو متساوي الساقين، بل من جهة ما هو مثلث.

وليس من شرط الأول ألا يكون بينه وبين الموضوع واسطة: فإن بين هذا العارض للمثلث وبين المثلث وسائط وحدودا مشتركة كلها عوارض أقرب منه. بل الشرط ما قد بيناه أولا.

وأما ما كان ليس محمولا على كلية الموضوع، فلا يمكن أن يكون هذا من جملة الذاتيات الداخلة في ماهية الشيء، بل من جملة الذاتيات الداخلة في ماهيات أنواع الشيء، أو من جملة الأعراض الخاصية الذاتية للشيء. لكن إنما يحمل على كلية الموضوع بسبيل التقابل على ما قلنا.

فأما القسم الأول فهو مثل الفصول المقسّمة للجنس التي لا تقسم نوعا تحته البتة: فتكون فصولا أولية للأنواع من جهة أنها تقومها ولا تقوم أجناسها، وتكون فصولا أولية للأجناس من جهة أنها تقسمها ولا تقسم أنواعها.

وأما القسم الثاني فهي العوارض الخاصية لجنس ما التي لا تعمه، ولا يحتاج أن يصير الجنس نوعا ما معينا فيتهيأ حينئذ لقبول مثل ذلك العارض، مثل أن الجسم لا يحتاج في أن يكون متحركا وساكنا إلى أن يصير حيوانا أو إنسانا، ويحتاج في أن يكون ضحّاكا إلى أن يصير أولا حيوانا بل إنسانا.

فقد قلنا في كيفية أولية كل صنف من الذاتيات.

واعلم أنه فرق بين أن يقال"مقدمة أولية"وبين أن يقال"مقدمة محمولها أولى": لأن المقدمة الأولية هي التي لا تحتاج أن يكون بين موضوعها ومحمولها واسطة في التصديق وأما الذي نحن فيه فكثيرا ما يحتاج إلى وسائط. فالمحمول إنما يكون كليا في"كتاب البرهان"إذا كان مع كونه مقولا على الكل في كل زمان، أوليا. وما كان من الأعراض الذاتية ليس يختص بالنوع الذي وُجد له، فهو ذاتي للنوع بأن جنسه يؤخذ في حده ذلك العارض؛ وذاتي للجنس بأن نفسه يؤخذ في حده. وقد تكون أجناس الأعراض الذاتية للموضوع: مثل زوج الزوج كما أنه عرض ذاتي وأولى للعدد، كذلك جنسه وهو الزوج. وقد يكون ذاتيا لا للموضوع ولكن لجنسه، مثل أن جنس الزوج - وهو المنقسم - ليس عرضا ذاتيا للعدد لأنه يوجد في المقادير؛ ولكنه ذاتي لجنس العدد وهو الكم.

وكل ما كان عرضا ذاتيا لموضوع من الجواهر ولم يكن جنسه ذاتيا لذلك الموضوع فيجب أن يكون لا محالة ذاتيا لجنس الموضوع أو ما يقوم مقامه. وأما في غير الجوهر فقد لا يكون ذاتيا لجنس الموضوع مثل أن التنافر والاتفاق أعراض ذاتية للنغم، وأجناسها ليست أعراضا ذاتية لأجناس النغم، بل ربما وقعت في الكم.

فقد عرفت الكلى الأولى الخاص مما أشرنا لك إليه إشارة ما، وسهل لك من ذلك أن تعلم أن من المحمولات الأولية المقومة لماهية الشيء ما هي خاصة كالحدود وبعض الفصول (99 ب) كالحساس للحيوان؛ ومنا ما هي غير خاصة، وإن كان أولية كالجنس وبعض الفصول مثل المنقسم بمتساويين للزوج، والناطق للإنسان عند من يرى الناطق مشتركا للإنسان والملَك.

والجنس أولى غير خاص. وأما المحمولات التي هي أعراض ذاتية فمنها أولية خاصة كحال زوايا المثلث للمثلث، ومنها أولية غير خاصة مثل كون الزاويتين اللتين من جهة واحدة مساويتين لقائمتين: فإنه أولى للخط الواقع على خطين المصيّر زاويتيهما المتبادلتين متساويتين، وللخط الواقع على خطين المصيّر الزاوية الخارجة كالدالة المقابلة؛ ولكن ليس بخاص لأحدهما. وهذا الخط وإن كان واحدا بالذات فهو اثنان بالمعنى والاعتبار. فغن صعب عليك تصور هذه الاثنينية فخذ بدلهما الخط الواقع على خطين، الجاعل زاويتي جهة واحدة متساويتين، والآخر الجاعل مختلفتين، لكن المتبادلتين متساويتان.ولا يقبل قول من يظن أن جنس الفصل، إذا لم يكن جنسا، وفصله، أوليان للنوع. وعسى أنهم قالوا هذا في الفصول المساوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت