فهرس الكتاب
و"المسألة"إما بسيطة حملية؛ وإما مركبة شرطية. والمركب يتبع البسيط فيما نورده فنقول: كل مسألة بسيطة فهي منقسمة إلى محمول وموضوع. فلنتأمل أولا جهة الموضوع فنقول: إن الموضوع في المسألة الخاصة بعلم ما إما أن يكون داخلا في جملة موضوعه أو كائنا من جملة الأعراض الذاتية له. والداخل في جملة موضوعه إما نفس موضوعه سواء كان واحد الموضوع أو كثير الموضوع مثل قولنا: هل الجسم ينقسم إلى ما لا نهاية له؟ وذلك في مسائل العلم الطبيعي؛ وإما نوع له كقولنا: هل الهواء المحبوس في الماء يندفع إلى فوق بالطبع أو للانضغاط القاسر؛ وهل الغضب مبدؤه الدماغ أو القلب؟ والكائنة من أعراضه: فأما عرض ذاتي لموضوعه كقولنا: هل حركة كذا مضادة لحركة كذا؟ أو عرض ذاتي لأنواع موضوعه كقولنا: هل الإضاءة الشمسية مسخنة، أو عرض ذاتي لعرض ذاتي له كقولنا: هل الزمان بعد السكون؟ فإن الزمان عارض للحركة التي هي عرض ذاتي للجسم، أو عرض ذاتي لنوع عرض له كقولنا: هل إبطاء الحركة هو لتخلل سكون. فإن الإبطاء من عوارض بعض الحركات دون بعض: فإن بعض الحركات مستوية السرعة لا تبطئ البتة.
ولنقصد الآن ناحية المحمول فنقول: إن المحمول في المسألة على أنها مجهولة الإنية وتطلب فيها الإنية، لا التي هي مجهولة اللمية وتطلب فيها اللمية دون الإنية، لا يجوز أن يكون طبيعة جنس أو فصل، أو شيئا مجتمعا منهما إذا كانت طبيعة الموضوع محصلة. فإن المحمولات الذاتية التي تؤخذ في حد الشيء يجب أن تكون بينة الوجود للشيء إذا تحقق الشيء كما قد علمت؛ وإن كانت يمكن في بعها أن تبين بحد أوسط: لكن ليس كل بيان بحد أوسط فهو قياس؛ فإن الأوليات قد يمكن أن تبين بوجه ما بحد أوسط، مثل أن يجعل الحد الوسط حد المحمول أو رسمه، أو يجعل الأوسط كذلك للأصغر، فيوسط بين الموضوع وبين المحمول. وليس مثل ذلك قياسا عند التحقيق: فإن القياس إنما يكون قياسا على الإثبات والإبانة إذا كان على خفي الثبات؛ ويكون قياسا على اللم إذا كان على خفي اللم. وقد يجتمعان وقد يفترقان. وأما طلب أن هذا المحمول هل هو حد أو جنس أو فصل، فهو مما يجوز أن يكون مطلوبا: لأن كون الشيء طبيعة ما وكونه جنسا ما أو فصلا لشيء أمران مختلفان. فإن الحساس من جهة ما هو حساس طبيعة ما؛ ومن جهة أخرى، وبالقياس إلى الإنسان، هو فصل جنس. فيشبه أن يكون إنما يُشكل في مثل هذا أنه هل هو جنس للإنسان أو ليس بجنس، أو هل هو فصل له أو لجنسه أو ليس. ولا يشكل أنه هل هو للإنسان موجود من جهة ما هو معنى ما من شأنه أن يكون جنسا أو فصل جنس إذا اعتبر له اعتبار العموم.