فهرس الكتاب

الصفحة 446 من 781

وقد ينبه أيضًا على وجود أمثال هذه المحمولات المقومة الذاتيات ببيان ما، من ليس سليم الفطرة كما ينبه على المبادئ الأولية. وأيضًا قد يبرهن على وجودها لشيء ما إذا كان عُرف بعوارضه ولم يكن تحقق جوهره: فعرف مثلا من جهة ما هو منسوب إلى شيء، أو له فعل أو انفعال ولم يكن عرف ذاته: مثل أنا نطلب هل النفس جوهر أو ليس بجوهر؛ والجوهر جنس النفس. ولكن إنما نطلب هذا إذا لم نكن بعد عرفنا النفس بذاتها، ولكن عرفناها من جهة ما هي مضافة إلى البدن وكمال ما له، وتصدر عنها الأفاعيل الحيوانية. وبالجملة إذا عرفناها من جهة أنها شيء هو كمال كذا ومبدأ لكذا فقط؛ فنكون بعد ما عرفنا ذاتها، فلا نكون عرفنا ذاتها ووضعناها ثم طلبنا حمل جنسها عليها. فإذا لم نكن وضعنا حقيقة ذاتها ثم نطلب حمل أمر آخر عليها - ذلك الأمر جنس لذاتها - لم يكن المحمول في طلبنا بالحقيقة جنسا للموضوع في القضية؛ بل كان جنسا لشيء آخر مجهول يعرض له هذا الذي يطلب المحمول له. وكثيرا ما يتفق هذا الطلب حيث لا نكون قد حصلنا معنى الموضوع والمطلوب، بل عندنا منهما اسم فقط: كما نطلب هل الصورة جوهر أو لا: فإنا إذا كنا عرفنا بالحقيقة ما الجوهر، وعرفنا أنه الموجود لا في موضوع، وعرفنا بالحقيقة ما الموضوع، وعرفنا ما الصورة - فكانت الصورة كل هيئة لمادة لا تقوم دونها تلك المادة، بل تتقوم بها، وكان الموضوع كل مادة متقومة الذات؛ أو قابل متقوم دون الهيئة التي فيهما وإن لم تكن الهيئة ولا شيء يخلف بدلها؛ أو كانت الهيئة لازمة لحقت بعد تقوم ذلك الأمر الذي هو مادة أو قابل - عرفنا أن الصورة جوهر ولم تحتج إلى وسط. ولكن إذا كان عندنا من الصورة خيال ومن الجوهر خيال، أخذنا نحتج ونقيس من غير حاجة إلى القياس.

بل المطلوبات والمسائل إذا كانت موضوعاتها للصناعة، كانت محمولاتها من أعراضها الذاتية، وأجناس أعراضها وفصول أعراضها وأعراض أعراضها. فإن كانت موضوعاتها من أعراضها الذاتية، جاز أن تكون محمولاتها من جنس الموضوع ومن أنواعه وفصوله وأعراضه وأعراض أعراضه وأجناس أعراض أخرى وفصولها وما يجري مجراها. وقد تكون محمولات الصنفين من الموضوعات عوارض ذاتية للجنس كالمساواة في علم الهندسة والعدد، وعوارض ذاتية لما هو شبيه جنس كالقوة والفعل في العلم الطبيعي: فغن القوة والفعل من العوارض الخاصة بالموجود والمضادة أيضًا إذا استعملت في العلم الطبيعي كانت من العوارض الخاصة بجنسه. وإنما لا تكون محمولة في مسائل العلم الرياضي لأن موضوعات العلم الرياضي إما غير متحركة وإما متشابهة الحركة لا مضادة فيها، وإن لم تتفق حركاتها من كل جهة. وأما موضوعات العلم الطبيعي فمهيأة للتغير بين الأضداد.

فأما إذا كان المطلوب هو اللمية دون الإنية فيصلح أن يجعل مقوم ما حدا أوسط يبين به مقوم آخر إذا كان الأوسط علة لوجود الكبر له: إذ يكون الأكبر أولا للوسط، ونسبته تكون للأصغر: كالمدرك فإنه أولا للناطق والحاس ثم للإنسان.

وأقول إن كل ما لم يصلح أن يكون محمولا في المسائل البرهانية فلا يصلح أن يكون محمولا في المقدمات البرهانية البتة سواء كانت مبادئ خاصة أو مبادئ عامة، إلا الأجناس والفصول وما يشبهها فإنها يجوز أن تكون محمولة على أنواعها في المقدمات. فإنه يجوز أن يكون الأكبر جنسا للأوسط أو فصلا، والأوسط عرضا ذاتيا لصغر. ويكون كما أن العرض يجوز أن يبتدأ فيطلب، فكذلك يجوز أن يبتدأ فيطلب جنسه أو فصله. وأيضًا يجوز أن يكون الأوسط جنسا للأصغر أو فصلا، والأكبر عرضا ذاتيا للأوسط. فمن هذه الجهة تدخل الجناس والفصول في جملة المحمولات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت