فهرس الكتاب

الصفحة 454 من 781

ولكن الوجه الذي عندي في هذا أن هذه إنما تنفع إذا أخذت هكذا: إن الدائرة واسطة بين أشكال بلا نهاية في القوة داخلة فيها، وأشكال بلا نهاية في القوة محيطة بها. أعني بالواسطة ما هو أكبر من كل هذه وأصغر من كل تلك بأعيانها. وهاهنا شكل مستقيم الخطوط لا محالة هو أكبر من جميع الداخلة وأصغر من جميع الخارجة. فالدائرة وذلك الشكل المستقيم الخطوط متساويان. فإن فرضت الأشكال أشكالا بأعيانها ولم تفرض غير متناهية، لم يجب أن يكون المتوسطان بينهما متساويين، إلا أن توضع تلك الأشكال على ترتيب متصل، وهذا لا يمكن في الأشكال، لأن كل شكل نفرضه أصغر من الدائرة فهناك شكل آخر أيضًا أكبر منه وأصغر من الدائرة. بل يحتاج أن تقع هذه الداخلة والخارجة أشكالا بالقوة بغير نهاية، فيكون حينئذ قد أخلّ من وجهين: أحدهما في البرهان والآخر في المطلوب. أما في البرهان فلأنه تكلم علة أمور بالقوة وجعل منها المقدمات: وليس ما بالقوة من العوارض الذاتية بالمقادير والأشكال، ولا من العوارض الذاتية بجنس الكم، بل أعم من جميع ذلك لنه من العوارض الذاتية الموجود. وإنما ينقل من العلم الأعلى الناظر في الموجود المطلق بما هو موجود، وما يعرض له بذاته من جهة ما هو موجود، إلى العلوم الناظرة في أشياء تحت الموجود، إذا كانت تلك الأشياء من شأنها أن تكون بالقوة وبالفعل كالأمور القابلة للتغير والحركة. وأما الصورة الهندسية فإنما تؤخذ مجردة عن المواد، ومشارا إليها في الوهم والعقل بالفعل على أنها أمور موجودة.

وأما الخلل في المطلوب فهو شبيه هذا بعينه: لأن ذلك المضلع المتوسط ليس مشارا إليه بالفعل. إنما نشير إليه على انه موجود بالقوة بين أمور ما بالقوة مجهولة. والبيان الذي يبين أن مضلعا مثل هذا ليس يكون أيضًا هندسيا: بل إما جدليا وإما منطقيا - أي من العوارض الغريبة. وأنا أظن أنه بهذا السبب صار هذا القياس ليس برهانيا ولا ذاتيا للهندسة بل خارجيا.

وقيل في التعليم الأول يجب أن يكون الحد الأوسط من العوارض الذاتية والمحمولات الذاتية حتى يكون البرهان مناسبا ويكون إنما قام البرهان على الشيء من جهة ما هو هو. مثلا لو أردنا أن نبين أن ثلاث زوايا مساوية لقائمتين، فيجب أن نأخذ الحد الأوسط من الأمور الذاتية للمثلث أو لجنس المثلث: وبالجملة للموضوع الذي المثلث من عوارضه الذاتية. فإن جاء حد أوسط من جنس آخر، فيجب أن يكون من جنس أعلى وينقل عنه إلى ما تحته كما بينا من حال الهندسة والمناظر، والحساب والموسيقى. ويكون السبب في ذلك هو المشاركة في الموضوع بوجه ما على ما قيل من قبل. فيكون حينئذ العلم الأسفل يعطى برهان إن، والعلم الأعلى يعطى برهان لم. وذلك لأن المقدمات تكون في العلم الأسفل مأخوذة مسلمة على سبيل موضوعات أو مصادرات غير معلومة العلل، ومعلوم أن نتائجها لا تكون على الحقيقة يقينية ما لم يحصل اليقين بمقدماتها. وإنما يحصل اليقين بمقدماتها في العلم الأعلى، إذ كان الوسط إنما هو بالذات في العلم الأعلى. فهناك نظفر بالعلل والأسباب الذاتية. فإن نقل أحد ذلك البرهان من العلم الأعلى إلى الأسفل، فقد أدخل في العلم الأسفل ما ليس منه.

وقد ظن قوم أن المراد في ذلك أن العلم الأعلى يعطى اللم في المسألة بعينها التي يعطى العلم الأسفل فيها الإن، وهذا غير سديد: لأنه على هذا التأويل يجب أن تجعل المسألة فيهما واحدة بعينها، فيكون العلم الأسفل مشاركا للعلم الأعلى في المسائل، ويكون لا محالة مشاركا في الأمور الذاتية للموضوع في المسألة، فيكون مشاركا في الأوسط، فيكون صالحا لأن يبرهن في كل واحد منهما بما يبرهن به في الآخر، ولا يفترقان بأن هذا يعطي الإن وذلك يعطي اللم بل يجب أن يعلم أن الأعلى إنما يعطي اللم على الوجه الذي قلناه، أو على وجه بيناه حيث تكلمنا في حال الموسيقى والمناظر، لا على الوجه الذي قيل. وبالحقيقة فإن الوجه الذي قيل في الموسيقى والمناظر فهو رخصة تدعو إليه الضرورة وقصور الإنسان عن إعداد ما يحتاج إليه قبل وقته لنفسه فضلا عن غيره ممن ينظر نظرا في أمر يحتاج إلى عدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت