فهرس الكتاب

الصفحة 455 من 781

ولولا ذلك لكان بالحرى أن يبرهن على أحوال الخطوط التي تؤخذ في المناظر، وأحوال الأعداد التي تؤخذ في الموسيقى، لا في علمي المناظر والموسيقى، بل في علمي الهندسة والحساب )104 - أ(، وبعد نتائجها لأصحاب المناظر والموسيقى. ولكن لما كانت المُنّة الإنسانية قاصرة عن معرفة جميع المقدمات التي تتفق إليها في المناظر والموسيقى حاجة ما - إذ كان ذلك كثيرا جدا - لم يمكن إعدادها إعدادا مستوفى، بل أعد من ذلك ما تفتقر إليه الأصول دون الفروع، أو تفتقر إليه الأصول المشعور بها دون أصول يشعر بها بعد.

فلما أوقع الإمعان في الاستنباط حاجة إلى مقدمات أخرى كُسل عن أن تفرد عن العلمين وتلحق بالعلم الذي هو منه. ولنرجع إلى ذكر اختلاف معونة العلمين على اللم والإن فنقول: أما العلمان المختلفان في العلو والدنو ففي الأكثر إنما يتم البرهان المعطى للم من العلم الأعلى للأسفل بأن يعطى الأعلى الأسفل مقدمات تؤخذ مبادئ البرهان. ومن هذا القبيل أيضًا أن يكون في أحدهما برهان حده الأوسط علة ما، وفي الثاني برهان آخر حده الأوسط علة ما أخرى قبل تلك العلة - وهو على العلة. فيكون الأسفل لم يعط العلة بالتمام.

وكثيرا ما تكون أمثال هذه المسائل مرددة في العلمين. والسبب في ترديدها قصور مُنن الناس عن المبالغة في التمييز. مثاله أن العلم الطبيعي والفلسفة الأولى يشتركان في النظر في تشابه الحركة الأولى وثباتها. ولكن العلم الطبيعي يعطي العلة التي هي الطبيعة التي لا ضد لها، والمادة البسيطة التي لا اختلاف فيها، فيمنع أن يعرض فساد أو تغير. والفلسفة الأولى تعطي العلة الفاعلة المفارقة التي هي المحض والعقل المحض، والعلة الغائية الأولى التي هي الوجود المحض. والبرهان في العلمين مختلفان، لكن العلم الطبيعي مع انه أعطى برهانا ما فإنه لم يعط البرهان اللمي مطلقا، بل أعطى أن ذلك متشابه ما دامت المادة موجودة وتلك الطبيعة موجودة. والعلم الأعلى أعطى البرهان اللمي الدائم مطلقا، واعطى علة دوام المادة والطبيعة التي لا ضد لها فيدوم مقتضاها.

وكذلك العلم الطبيعي يعطى العلة في كون الأرض غير كرية بالتحقيق، ووقوع الماء في قصور منها حتى ينكشف أديمها في بعض النواحي. فيكون سبب ذلك في العلم الطبيعي أن الماء بالطبع سيال إلى القعور والأرض يابسة لا تتشكل بذاتها؛ بل تحفظ الأشكال الاتفاقية. فإذا اتفق لأجزائها كون وفساد بق مكان الفاسد قعرا ووهدة، ولم يجتمع لأجله الباقي على الشكل الكرى، وبقى مكان الكائن ربوة. وكذلك الحال عند اتفاق سائر الأسباب التي توجب نقل جزء منها عن موضعه. وأما الماء والهواء وغير ذلك فكل يجتمع على شكله إذا زيد عليه أو نقص منه. وذلك الشكل هو الشكل البسيط الكرى الذي لا يجوز غيره أن يكون مقتضى طبيعة البسيط.

وأما في الفلسفة الأولى فتكون العلة لهذا مثلا من جهة الغاية: وهو أن تستقر الكائنات على مواضعها الطبيعية. والحال في البرهانين ما قلناه.

فهذا ما هو على الأكثر من حال معونة الأعلى في اللم. وأما في الأقل فربما أخذ العلم الأعلى مبادئ اللم من العلم السفل بعد ألا تكون تلك المبادئ متوقفة في الصحة على صحة مبادئ إنما تُبين في العلم الأعلى، أو تكون تبين بمبادئ من العلم الأعلى، لكن إنما تبين بها ثانيا من العلم الأعلى مسائل ليست مبادئ لها وللجزء فيه من هذا العلم الأسفل. بل كما أن بعض مسائل علم واحد تكون مبادئ بالقياس إلى بعض مسائل منه بواسطة مسائل منه هي أقرب إلى المبادئ منها؛ فلا يبعد أن تكون مسائل علم ما تتبين بمبادئ من علم آخر، ثم تصير تلك المسائل مبادئ لمسائل أخرى من ذلك العلم الآخر بلا دور. فيكون هذا حال مسائل تتبين في علم أسفل بمبادئ من علم أعلى؛ ثم تبين بها مسائل ما من علم أعلى. وإما أن تكون هذه المبادئ المأخوذة من العلم الأسفل لا تتبين بمبادئ من العلم الأعلى بوجه، وذلك مثل أن تبيّن بالمبادئ البينة بأنفسها أو الحس أو التجربة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت