فهرس الكتاب

الصفحة 456 من 781

وإذا كانت هذه مبادئ مسائل من العلم الجزئي هي مبادئ لمسائل من العلم الأعلى، صارت بوساطة العلم الجزئي مبدأ ما لمسائل من العلم الأعلى. لكن المبنى على الحس والتجربة لا يعطى اللم في علم أسفل ولا علم فوق، بل إنما يمكن أن يعطي اللم من هذه في العلم الأعلى ما كان مبنيا على المبادئ البينة بنفسها.

واعلم أن الأمور الجزئية الحسية والتجريبية هي اقرب إلى العلوم الجزئية منها إلى العلوم الكلية، كما أن الأمور العامة العقلية أولى بأن تكون المبادئ المقتضبة منها مبادئ العلوم الكلية؛ فإن ما كان أشد عموما فهو أولى بأن يكون مبدأ للعلم الذي هو أشد عموما.

وأما العلوم التي ليس بعضها تحت بعض ولا تحت جزء بعض، فكثيرا ما يكون أحد العلمين معطيا في مسألة واحدة بعينها برهان الإن؛ والآخر معطيا فيه برهان اللم. مثل أن العلم الرياضي يعطي في كرية الماء برهان إن بالدليل؛ والعلم الطبيعي يعطي برهان اللم. وأيضًا كذلك القول في كرية الأرض ووقوعها في الوسط؛ وكرية الأجسام السماوية؛ فإن الرياضي يعطي برهان الإن والطبيعي يعطي برهان اللم في جميع ذلك.

وكثيرا ما يتفق أن يكون أحد هذين العلمين من هذه العلوم التي ليس بعضها تحت بعض يعطي الآخر مبدأ لم مثل العدد والهندسة في مسائل المقالة العاشرة.

ولا يتفق في العلوم الجزئية أن يعطي علمان معا برهان اللم لمسألة واحدة. ونحن نخبر من بعد عن العلة في ذلك. فإنا سنوضح بعد أن العلل كم هي، وأنها كيف تكون حدودا وسطى. وإذا كانت حدودا وسطى كيف تكون حتى تكون معطية البرهان التام.

وأما هاهنا فنقول على الجملة إن الأسباب أربعة: مبدأ حركة - أي الفاعل وما في جملته - والموضوع وما في جملته، والصورة وما يجري مجراها، والغاية وهي التمام الذي لأجله يكون ما يكون، وإليه نسوق مبدأ الحركة وما يجري مجراه.

وقد يتفق أن تجتمع هذه الأسباب كلها لشيء واحد بالذات. وربما كان الشيء ليس له من الأسباب إلا الفاعل والغاية فقط كالعقول المفارقة. وربما كان للشيء جميع هذه الأسباب. وإذا لم يكن للشيء مادة وحركة فإن الفاعل يقال له إنه فاعل، فبنحو آخر يقال: وتكون نسبته إليه نسبة داخلة في صورته. وكذلك غايته.

فكل ما هو مجرد عن المادة فإنما يمكن أن يعطى من الأسباب ما هو صورته فقط. وتسمى العلوم المختصة بمثله علوما انتزاعية. فمن العلوم الانتزاعية ما انتزاعيته بالذات كالعلوم الناظرة في الموجودات التي صورها مفارقة للمواد على الإطلاق. ومنها ما هي انتزاعيته بالحد كالعلوم الرياضية. فإن موضوعاتها أمور غير مفارقة الذات للموضوعات؛ ولكن مفارقة الحدود لها؛ وذلك لن موضوعاتها أمور غير معينة بالنوع: فغن المثلث كما يكون في خشبة كذلك يكون في ذهب. فليس تقتضي طباعها موضوعا معينا، بل كيف اتفق. فليس شيء من الموضوعات التي توجد فيه داخلة في حدودها لهذا السبب.

وأما الصور الطبيعية فإن لكل واحدة منها مادة ملائمة لها بالنوع لا يمكن أن توجد تلك الصورة منها مفارقة لها، ولا في مادة أخرى. فطباع تلك الصورة مختصة بتلك المادة. فلذلك تدخل المواد في حدودها. والأمور الطبيعية هي التي تجتمع فيها بالذات هذه العلل كلها.

ثم من المعلوم أن ما كانت الحدود الوسطى في برهانه مأخوذة من علل صورية فقط، فلا يجوز أن يشترك في البرهان عليه علمان - إذا أريد بالبرهان برهان اللم. وأما إذا كانت له علل مختلفة، فلا يخلو إما أن يكون بعض الأسباب خارجة عن موضوع الصناعة مثل السبب الأول الفاعل للأمور الطبيعية على الإطلاق، والغاية القصوى، فإنها مفارقة للموجودات الطبيعية. أما السبب الفاعل فبالذات، وأما الغاية القصوى لها فمن وجه بالحد ومن وجه بالذات. وإما أن تكون كل تلك داخلة في موضوع الصناعة: أي إما كائنة أنواعا لها )104 - ب ( أو كائنة من عوارضه الذاتية مثل السبب الفاعلي والتمامي والمادي والصوري لموجودات ما طبيعية، دون العامة للكل مثل أسباب الإنسان أو أسباب نوع جنس آخر من الكائنات الطبيعية أو الطبيعيات التي ليس بكائنة، فإن أسبابها الظاهرة كلها طبيعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت