فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 781

وربما كان هذا الاشتباه اشتباها حقيقيا، وربما كان اشتباها مجازيا بعيدا، مثل قولهم كلب للنجم وللكلب الحيوانى؛ وذلك لأنه لا تشابه بينهما في أمر حقيقى إلا في أمر مستعار؛ وذلك لأن النجم ربى كالتابع للصورة التى جعلت كالإنسان، ثم وجد الكلب أتبع الحيوانات للإنسان فسمى باسمه. فما كان سبيل نقل الاسم اإليه هذا السبيل فلا ينبغى أن يجعل في هذا القسم، بل هو من القسم الثالث الذى لا اشتراك حقيقيا ولا تشابع فيه، مثل قولنا عين للبصروعين للدينار. والسبب في وقوع هذا الاسم ليس ما ذهب إليه من قال إن الأمور، لما كانت غير متناهية، وكانت الألفاظ متناهية، من حيث تركيبها من حروف متناهية، وجب أن يكون الاسم الواحد تشترك فيه عدة أمور تلزمه. وليس كذلك؛ لا من جهة أن الحروف المتناهية قد يمكن أن تتركب منها تركيبات غير متناهية؛ وذلك لأن هذا الإمكان متعلق بتزيد مقادير ما يركب من الحروف. ثم اللسان والعادة لا تحتمل كل تطويل للتركيبات من الحروف، بل هناك حد تنفر الطباع من استعمال ما هو أطول منه. وإذا كان كذلك، فقد حصل لصلوح التركيب حد محدود وجب له أن يتناهى ما يركب من الحروف؛ ولا لأن غير المتناهى إنما هو في الأشخاص دون الأنواع على ما يرون. ويقولون: إنه لو كان الاشتراك في الاسم إ نما يوجبه غير المتناهى، لكان يجب أن تكون أسماء الأنواع أيضا لا يقع فيها اشتراك، فإن هذا البيان مختل لأن الأنواع قد لا تتناهى من وجه، كما علمت؛ ولأن الأشخاص إذا كانت غير متناهية، فأخذت من حيث هى أمور شاركتها الأنواع، فصارت الأمور غير متناهية وفيها الأنواع، وكانت الأنواع من جملة الأمور التى لا تتناهى؛ والتسمية إنما تقع على الأمور، من جهة ما هى أمور، لا من حيث هى أشخاص. فهذان الاعتراضان لا يكشفان ما في هذا من الغلط، بل وجه بيان الغلط في اشتغال من اشتغل بتعليل ذلك من كون الأشياء غير متناهية هو أن الأمور وإن كانت، من حيث هى أمور غير متناهية، فإنها، من حيث يقصدها المسمون بالتسمية، متناهية؛ فإن المسمين ليسوا يشرعون في أن يسموا كل واحد مما لا نهاية له؛ فإن ذلك لا يخطر ببالهم؛ فكيف يقصدون التسمية له ؟ بل كل ما قصد تسميته فهو متناه. وقد كان يمكن أن يكون لكل واحد منه اسم مفرد؛ والدليل على ذلك أنك الآن لو شئت لأفردت لجميع ما وقعت فيه الشركة في الاسم اسما مفردا؛ لأن جميع ذلك متناه. فهخذا القول إنما يبطل من هذا الوجه؛ وإن كان يمكن أن يعبر عن هذا القول بعبارة أخرى على وجه من وجوه التكلف.

والمحل يستمر؛ إلا أنه يرجع إلى بعض ما نريد أن نعطيه من السبب وذلك فنقول: إن السبب في وقوع هذه الشركة أحد شيئيين: إما التشبيهات الاستعارية المجازية كما هى في لفظة"العين"فإنه لما كان اسما للبصر، وكان البصر من فعله المعاينة، وكانت المعاينة تدل بوجهٍ مَّا على الحضور، والحضور يدل على النقد، وكان النقد الحقيقى هو للدينار، سمى الدينار لذلك فيما نظن عينا، أو لأنه عزيزِ عزَّ العين، أو شىء آخر من هذه الوجوه وربما كان ذلك على سبيل التذكر والتبرك، أو على سبيل الرجاء؛ وأكثر هذه في الجزئيات كمن يرغب في التسمية باسم نبى، أو يسمى ابنه باسم أبيه ليتذكره به. وأما الاتفاقات البخْنِية الواقعة فلاختلاف المسمين التسميةَ الأولى؛ كأن بعضهم اتفق له أن أوقع اسم العين على شىء والآخر اتفق له أن أوقعه على غيره؛ فيجوز إذن أن يكون سبب الاتفاق هو اختلاف حال مسميين، أو لاختلاف حال مسم واحد في زمانين صار فيهما كشخصين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت