فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 781

ولقائل أن يقول إن الحاجة إلى كون مقدمات البرهان كلية لا تتبين إلا ببيان أن الفاسد لا يبقى به يقين؛ فكيف صار القوم يثبتون أن الفاسد لا برهان عليه لن مقدمات البرهان كلية؟ فالجواب أن الغرض ليس ذلك، ولكن معنى القول هو أنه لما كان الحكم إذا اخذ مقولا على الموضوع وليس دائما في كل واحد منه، حتى لم يكن كليا بحسب الكلى في البرهان، أعرض الحكم للشك والانتقاض إذ كان يتغير في البعض من الأعداد، والمتغير لا يقين به إذا اخذ مطلقا. وكذلك حال الجزئي المتغير إذا كان الحكم مقولا على الموضوع وليس دائما في كل وقت له، فيعرض للشك والانتقاض إذ كان يتغير في البعض من الأزمنة، والمتغير لا يقين به: فكأنه يقول: السبب الذي أوقع في المور العامية حاجة إلى ان تكون مقدمات البراهين عليها كلية، وإلا منع اليقين، موجود بعينه في الحكم على الشخصيات، وذلك هو التغير وعدم الدوام، فيكون الكلى موردا للبينة على العلة، ل لأن يكون نفس مقدمة بيان.

والجدلية لمطالبها، وكيف يكون اختلاف العلمين في إعطاء اللم والإنّ

قيل في التعليم الأول إنه يجب ألا يقتصر في إقامة )103 ب ( البرهان على أن تكون المقدمان صادقة، بل يجب أن تكون مع ذلك أولية غير ذات أوساط؛ ولا على أن تكون مع ذلك مقولة على الكل فقط، لكن يجب مع ذلك كله أن تكون مناسبة على ما أشرنا إليه مرارا كثيرة.

فيكاد أن يكون القياس الذي أورده بروسن على توسيع الدائرة مأخوذا من مقدمات صادقة بينة بنفسها، مقولة على الكل، إلا أن كلامه ليس ببرهان هندسي: لأن مقدماته غير مناسبة. فبيانه كما علمت بالعرض؛ والعرض في هذا التربيع أن يبين أن دائرة مساوية لشكل مستقيم الخطوط كيف كان عدد أضلاعه، فإنه يمكن أن يحل إلى مثلثات مثلا، ثم يمكن أن يوجد لكل مثلثة مربع مساو لها، ولجملتها أيضًا مربع واحد مساو، فيكون ذلك المربع مساويا للدائرة، فيكون ضلع ذلك المربع جذر الدائرة. فبين بروسن غرضه ذلك بان قال: إن الدائرة أكبر من كل شكل مستقيم الخطوط كثر الزوايا هو فيها، وأصغر من كل شكل مستقيم الخطوط كثير الزوايا هي فيه؛ فتكون مساوية لكل شكل مستقيم الخطوط كثير الزوايا هو أكبر من كل مستقيم خطوط يقع فيها، وأصغر من كل مستقيم خطوط يقع خارجا عنها. فقد وجد أيضًا شكل مستقيم الخطوط مساو للدائرة.

وقيل في التعليم الأول قول مجمل: وهو أن هذا الكلام بيان غير خاص بطريقة الهندسة، بل هو عام مشترك فيه ويوجد لأشياء أخرى ويطابقها، وليست تلك الأشياء متناسبة الجنس - أي مشتركة في الموضوع أو جنس الموضوع.

وقال بعضهم في بيان كون هذا القياس لا على الشروط البرهانية، إن السبب فيه أنه أخذ مقدمة غير خاصة بالمقادير، لأنه وضع في قوة كلامه"أن الأشكال التي هي أعظم من أشياء واحدة بعينها كالأشكال التي في الدائرة، وأصغر من أشياء واحدة بعينها كالأشياء المحيطة، هي أشياء متساوية"- أي كالدائرة - وذلك هو الشكل المستقيم الخطوط المذكور. قال: وهذه المقدمة غي خاصة بالأشكال، بل بالأعداد وبالأزمنة وغير ذلك. فلذلك صار البرهان غير مناسب.

وأظن أن هذه المقدمة المستعملة في هذا القياس، وإن كانت غير خاصة بالمقادير، فهي خاصة بجنس المقادير - أعني الكم. والمقدمات التي هي من هذا الجنس مستعملة في العلوم: مثل أن الكل أزيد من الجزء، وأن كل كم إما مساوٍ وإما أزيد وإما انقص. فإن هذين أولا للكم ثم للمقادير والعدد. وإذا أريد أن يجعلا خاصين بأحد الموضوعين قيل في المقادير إن الكل أعظم من الجزء. وقيل في الأعداد إن الكل أكبر من الجزء. وأيضًا قيل في المقادير إن كل مقدار إما مساو لمقدار آخر أو أزيد أو انقص؛ وفي الأعداد كل عدد مساوٍ لعدد آخر وإما أزيد وإما انقص. ومن هذا الجنس يقال تارة: إن المقادير المساوية لمقدار متساوية؛ وتارة الأعداد المساوية لعدد واحد متساوية؛ وما أشبه ذلك. وجميع هذه على نحو ما أنكره هذا المتأول. وبالجملة فليس إنما يستعمل في العلوم الجزئية من المبادئ مبادئ خاصة المحمولات بموضوعاتها، بل والخواص بأجناسها أيضًا التي تشترك فيها. ولكن ينقا من العموم إلى الخصوص بما قد أشير إليه. وهذا يمكن أن يعمل بهذه المقدمة فيقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت