فهرس الكتاب

الصفحة 464 من 781

إن الأشكال أو المقادير ذوات الأشكال التي هي اصغر من أشكال بأعيانها وأكبر من أشكال بأعيانها فهي متساوية، فيصير حينئذ مبدأ ملائما. فإن لم يصر هذا مبدأ فلا واحد من تلك المبادئ الأخر.

ولكن الوجه الذي عندي في هذا أن هذه إنما تنفع إذا أخذت هكذا: إن الدائرة واسطة بين أشكال بلا نهاية في القوة داخلة فيها، وأشكال بلا نهاية في القوة محيطة بها. أعني بالواسطة ما هو أكبر من كل هذه وأصغر من كل تلك بأعيانها. وهاهنا شكل مستقيم الخطوط لا محالة هو أكبر من جميع الداخلة وأصغر من جميع الخارجة. فالدائرة وذلك الشكل المستقيم الخطوط متساويان. فإن فرضت الأشكال أشكالا بأعيانها ولم تفرض غير متناهية، لم يجب أن يكون المتوسطان بينهما متساويين، إلا أن توضع تلك الأشكال على ترتيب متصل، وهذا لا يمكن في الأشكال، لأن كل شكل نفرضه أصغر من الدائرة فهناك شكل آخر أيضًا أكبر منه وأصغر من الدائرة. بل يحتاج أن تقع هذه الداخلة والخارجة أشكالا بالقوة بغير نهاية، فيكون حينئذ قد أخلّ من وجهين: أحدهما في البرهان والآخر في المطلوب. أما في البرهان فلأنه تكلم علة أمور بالقوة وجعل منها المقدمات: وليس ما بالقوة من العوارض الذاتية بالمقادير والأشكال، ولا من العوارض الذاتية بجنس الكم، بل أعم من جميع ذلك لنه من العوارض الذاتية الموجود. وإنما ينقل من العلم الأعلى الناظر في الموجود المطلق بما هو موجود، وما يعرض له بذاته من جهة ما هو موجود، إلى العلوم الناظرة في أشياء تحت الموجود، إذا كانت تلك الأشياء من شأنها أن تكون بالقوة وبالفعل كالأمور القابلة للتغير والحركة. وأما الصورة الهندسية فإنما تؤخذ مجردة عن المواد، ومشارا إليها في الوهم والعقل بالفعل على أنها أمور موجودة.

وأما الخلل في المطلوب فهو شبيه هذا بعينه: لأن ذلك المضلع المتوسط ليس مشارا إليه بالفعل. إنما نشير إليه على انه موجود بالقوة بين أمور ما بالقوة مجهولة. والبيان الذي يبين أن مضلعا مثل هذا ليس يكون أيضًا هندسيا: بل إما جدليا وإما منطقيا - أي من العوارض الغريبة. وأنا أظن أنه بهذا السبب صار هذا القياس ليس برهانيا ولا ذاتيا للهندسة بل خارجيا.

وقيل في التعليم الأول يجب أن يكون الحد الأوسط من العوارض الذاتية والمحمولات الذاتية حتى يكون البرهان مناسبا ويكون إنما قام البرهان على الشيء من جهة ما هو هو. مثلا لو أردنا أن نبين أن ثلاث زوايا مساوية لقائمتين، فيجب أن نأخذ الحد الأوسط من الأمور الذاتية للمثلث أو لجنس المثلث: وبالجملة للموضوع الذي المثلث من عوارضه الذاتية. فإن جاء حد أوسط من جنس آخر، فيجب أن يكون من جنس أعلى وينقل عنه إلى ما تحته كما بينا من حال الهندسة والمناظر، والحساب والموسيقى. ويكون السبب في ذلك هو المشاركة في الموضوع بوجه ما على ما قيل من قبل. فيكون حينئذ العلم الأسفل يعطى برهان إن، والعلم الأعلى يعطى برهان لم. وذلك لأن المقدمات تكون في العلم الأسفل مأخوذة مسلمة على سبيل موضوعات أو مصادرات غير معلومة العلل، ومعلوم أن نتائجها لا تكون على الحقيقة يقينية ما لم يحصل اليقين بمقدماتها. وإنما يحصل اليقين بمقدماتها في العلم الأعلى، إذ كان الوسط إنما هو بالذات في العلم الأعلى. فهناك نظفر بالعلل والأسباب الذاتية. فإن نقل أحد ذلك البرهان من العلم الأعلى إلى الأسفل، فقد أدخل في العلم الأسفل ما ليس منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت