فهرس الكتاب

الصفحة 474 من 781

إن العلوم الرياضية إنما يستعمل فيها في أكثر الأمر الشكل الأول، ومن ضروبه، الضرب الأول. وربما استعمل الضرب الثاني فلا تقع فيه مغالطة بتأليف القياس إلا في الندوة النادرة جدا. وأما الجدل فكثيرا ما تستعمل فيه قياسات غير منتجة سهوا وانخداعا لأنه متصرف في الأشكال وفي الضروب، ويستعمل الحقيقي والمظنون، وخصوصا التأليف الكائن من الموجبتين في الشكل الثاني، فإنه كثيرا ما يستعمل في الجدل، كمن يريد منهم مثلا أن يبين أن النار كثيرة الأضعاف في النسبة بأن يقول:"النار سريعة التولد والتزيد"و"كثير الأضعاف في النسبة سريع التولد والتزيد"فينتج"أن النار كثيرة الأضعاف في النسبة". فإن هذه الصورة غير منتجة في الحقيقة وإن كانت قد تعد منتجة في الظاهر. وإنما يمكن أن تصح لها نتيجة في بعض المواضع بسبب المادة إذا كانت المقدمة متساوية الموضوع والمحمول، فيمكن أن تعكس كبراها كلية فترجع إلى الشكل الأول.

والجدل والتعاليم يتخالفان غاية التخالف في التحليل بالعكس. وذلك لأن التعاليم تؤخذ محمولات مسائلها من الحدود وما يلزم من العوارض بسبب الحدود - وهي العوارض التي تعرض للأشياء بذاتها؛ وهي من جهة ما هي، هي من حيث لها حدودها. وكلها محدود محصور ومعلوم وأكثرها منعكس.

فإذا كان مطلوب وأريد أن يطلب له قياس من جهة التحليل بالعكس، طلب من لواحق الطرفين ما هو على الشريطة المذكورة، وهي لواحق محدودة معلومة فتصاب عن كثب فيكون سبيل التحليل فيها سهلا.

وكذلك سبيل التركيب هو عكس التحليل فيكون التركيب فيها أيضًا سهلا: لأن ما هو عكس السهل سهل. وبطريق التركيب يتدرجون من مسألة إلى مسألة من غير أن يُخلوا بمقدمات ذات وسط ويتجاوزوا عنها إلا بعد إيضاحها بالقياسات القريبة منها، ويكون التزيد فيها تزيدا محدودا والطريق منهوجا.

والجدل مخالف في جميع هذا. أما أول ففي التحليل بالعكس: وذلك لأن الأوساط تكون أمورا كثيرة متشوشة، فإنها تكون أمورا عرضية وذاتية، وتكون من العرضيات صادقة وكاذبة بعد أن تكون مشهورة، فتتضاعف مطالب الأوساط فيصعب تحليلها. وليس إنما يصعب التحليل في المسائل الجدلية على الإطلاق، بل وفي الصادقة منها، لأنها قد تنتج من كواذب إذا كانت مشهورة أو ملمة أو منتجة منها. ولولا ذلك لما كانت سهلة من وجه واحد: وهو أنها كانت تكون مقتصرة على الصادقات. وأما ثانيا ففي التركيب: لأن التحليل لما صعُب صعب عكسه وهو التركيب، لأن التركيب فيه ليس يكون على تأليف مستقيم يبتدئ عن غير ذوات أوساط ثم يستمر على نظام، بل يكون كيف اتفق وبأي أوساط اتفقت، وربما عُكس التركيب في الجدل فجعل ما بيّنه الجدل بمقدمة نتيجة لتلك المقدمة يبان بها بعينها في مجادلة أخرى، فيتضاعف التركيب.

وربما وقع ذلك مقدمات الجدلي التي إن سلمت نفذ فيها وعقد القياس؛ وإن لم تسلم رجع من التركيب إلى التحليل، فيتخلل التركيب مواضع التحليل - وهي مواضع المباحثة عما لا يسلم ويطلب له حد أوسط مرة أخرى، وهذا هو التحليل. فيختلط تركيبه بالتحليل.

وأما ثالثا ففي التزيد. وهذا الموضع يمكن أن يفهم على انه يعنى به التزيد البرهاني التعليمي من جهة أنه يتزيد لا بالتوسيط على ما بينا، بل بإضافة حد من خارج - إما إلى غير النهاية أو نقف فنبتدئ برهانا على شيء منقطع عن الأول كما فعل في أوقليدس حين اشتغل بزوايا حول خط قائم على خط.ومثل أن يكون تبين أولا أن العدد الفرد عدد ذو كم محدود بتوسط أنه عدد ذو كم، ثم يبين أيضًا للزوج كذلك. فلا يكون قد استمر بل عُدّل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت