والثاني أنه عرض لهذا شيء آخر وهو أنه جعل القانون في كسب الحد أن يوضع حد ضد المحدود. فإذا طالبناه بأن يبين كيف يحد الضد الآخر المبين به حد هذا الضد - وهو في هذا المثال الخير - احتاج أن يبينه لا محالة - على حكم قانونه - بحد لهذا الضد، وهو في هذا المثال الشر. فمع أنه يصادر مع المطلوب الأول فإنه يستعمل الدور.
والثالث أنه ليس حد أحد الضدين أعرف من حد الضد الآخر، بل هو مثله في الجهالة والمعرفة الحقيقية. وكل بيان مما ليس اعرف، وإن لم يكن دورا ولا مصادرة، فليس ببيان.
والرابع أنا لنسامح ولنضع أن هذا الإنسان قد حد ماله ضد بهذا القانون ، فكيف يحد ما ليس ضد، أو كيف يحد الضد المطلق، والضد المطلق الواقع على الطرفين ليس له ضد؟ ولقائل أن يقول: إنكم قد زيفتم اكتساب حد الضد من حد الضد الآخر في هذا الكتاب هاهنا، وأما في"كتاب الجدل"فقد استعملتم هذا القانون من حيث تكلمتم في إثبات الحدود وإبطالها. والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما أن"كتاب الجدل"ليس فيه على الإثبات والإبطال الحقيقين، ولكن على الكائن إما من تسليم الخصم لمقدمته، وإما من الرأي المشهور. ونحن لا نمنع أن يكون أحد حدي الضدين يتسلم من الخصم، فحينئذ يلزمه، شاء أو أبى، أن يكون حد الآخر ضد هذا الحد. ولا نمنع أن يكون حد أحد الضدين بالقياس إلى المشهور وإلى الذائع أعرف من حد الضد الآخر، يكون إنما حد بما هو أعرف في المشهور، ولا بما هو حقيقي المعرفة عند العقل الصريح وربما كان خفيا بنفسه ولكن اشتهر، مثل كثير من المقدمات التي هي خفية في نفسها بالقياس إلى العقل النظري الصريح، ولكن بالقياس إلى الشهرة هي بينة بنفسها أو مقبولة.
والثاني أن الحد المطلوب في"كتاب الجدل"هو الحد بحسب قانون الشهرة ولا بحسب قانون الحقيقة، فلا يجب أن يُجرى في الأحكام الحقيقية مجرى الحدود الحقيقية.
ونقول أيضًا إن الحد لا يصطاد بالاستقراء. وقد تبين هذا لك من ان الاستقراء الحقيقي هو من الجزئيات المحسوسة، وهذه لا حدود لها على ما أوضحنا.
والثاني أنه إن استقرئ منها قول على أنه حد فإن ذلك القول إما أن يؤخذ على أنه حد لكل واحد من الأشخاص فينقل إلى انه للكلى، كما إذا وجد حكم في الجزئيات نُقل إلى الكلى، أو على أنه حد لنوع الأشخاص. ولا يمكن أن يكون حدا لكل واحد من الجزئيات، فإنه يعرض من ذلك محالان: أحدهما أنه لو كان لكل واحد منها حد يخصه لكان لا يشاركه فيه الآخر، وكان لا يمكن أن ينقل إلى النوع كله، أو تنقل إليه حدود كثيرة متخالفة.
والثاني أن الحد الخاص بكل واحد، لو كان، لما كان من الأمور الذاتية التي تشارك فيها، بل بالعوارض التي عسى أن تخص جملة منها شخصا واحدا كما علم في"إيساغوجى". والعوارض غير داخلة فيما هو الشيء. فقد بطل إذن قسم واحد من هذا الاستقراء. وبقى أنه إنما يستقرئ على أنه حد لنوع الأشخاص. وليس شيء من الأشخاص يدل بوجود معنى فيه على أنه حد لنوعه إلا أن يعرف نوعه أولا ويعرف الحد له: فيكون الاستقراء باطلا. وذلك لأنه لا يمكن أن يقال: لما كان هذا حد نوع هذا الشخص، وحد نوع هذا الشخص فهو حد نوع كل هذه الأشخاص، لأن هذا قد عرف إذ عرف أنه حد لنوع الشخص الأول.
قيل: فإذ ليس طريق اكتساب الحد بالبرهان ولا بالقسمة ولا بالاستقراء من الجزئيات، فكيف ليت شعري نعمل، فإنه لا سبيل إلى أن يعرف بالحس ويشار إليه بالإصبع؟ ثم معنى ما هو الشيء - وهو الحد الحقيقي - لا يجوز أن يكون إلا لموجود الذات، والمعدوم الذات قد يكون له قول دال على معنى الاسم. وأما حد فلا، إلا باشتراك الاسم.