فهرس الكتاب

الصفحة 510 من 781

ومن ظن أن الحد يبين بقياس فإما أن يعني به القول الذي بحسب الاسم من حيث هو كذلك، أو يعني الحد الحقيقي. فإذا عنى شرح الاسم فذلك محال: فإنه ليس يحتاج أن يبين المبين أو يبرهن المبرهن على انه يعني بهذا الاسم معنى هذا القول. وأن عنى به الحد الحقيقي من حيث هو حد حقيقي، فذلك يقتضي أن يشار فيه إلى موجود. فلا يخلو إما أن يكون الحد لا يشير البتة إلى وجود ذلك الشيء، وإنما يعلم وجوده من وجه آخر، أو يكون الحد نفسه يشير إلى وجوده. فإن كان الحد لا يشير إلى وجوده، فقد علم وجوده أولا، فيلزم أن يكون هذا عرف الحد له أولا - لا من حيث هو حد حقيقي، بل من حيث هو شرح الاسم حين عرف ما الشيء الذي هو الموجود، وما يعني باسم الشيء الذي هو موجود. فما لم يفهم معنى اسمه كيف يفهم وجوده! فإن كان وجوده بينا بنفسه تكون صيرورة شرح الاسم حدا له بينا بنفسه وإن كان غير بين فيكون البرهان الذي يبين وجوده، كما يبين وجوده بجعل شرح اسمه حدا له، فيكون الذي كان من قبل شرح اسم قد صار الآن حدا، لما صح أن الشيء موجود لا من جهة أن ذلك برهان على حده بالذات، بل هو برهان على وجوده بالذات، وعلى حده بالعرض، وهذا النحو لا يمنع وقوعه في الحدود ولا فيه خلاف.

وأما إن كان إعطاء الحد نفسه هو المشير إلى الوجود حتى يكون إعطاء الحد لما ليس بين الوجود من حيث هو حد حقيقي بين الوجود بيان أن الأمر موجود، فيكون من حد الشيء، فقد قاس على وجوده معا من حيث حد، هذا محال: فإن الحد إنما يبنى على أمور داخلة في ماهية المحدود، والموجود - كما علمت - ليس منها. فليس الوجود جنسا ولا فصلا بل هو محمول لازم، والحد لا يعطيه لأنه يعطي الأجناس والفصول فقط. بل البرهان يعطيه: لأن البرهان هو معطى اللازمان التي ليست داخلة في الحد. فإن البرهان المعطى للوجود يعطي وجود مجهول الوجود مطلقا، أو مجهول وجوده للشيء. وهذه لوازم خارجة عن الماهية. فلا البرهان يطلب ما هو داخل في الحد لأن ذلك بين نفسه، ولا الحد يعطي ما هو مطلوب البرهان لأن ذلك خارج عن جوهر الشيء. ولذلك كان أهل العلوم كلها يضربون سورا بين الأمرين ويميزون مآخذ إعطاء الحدود بابا، ويقتضبون الحدود اقتضابا، ويميزون مأخذ البراهين بابا آخر، ويؤلفون البراهين تأليفا. وإذا أعطوا حد المثلث في الهندسة لم يقدموا على ذكر وجوده شيئا بل لم يبينوا أن هذا حد بالحقيقة أو تفهيم للاسم. فلما برهنوا أن المثلث موجود بالشكل الأول من كتابهم في الاسطقسات صار حينئذ ما كان تفهيما للاسم عند ابتداء التعليم حدا بالحقيقة.

فما أظهر ما بان أن مأخذ الحد الحقيقي مباين لمأخذ القياس. وكذلك القول المعرف لماهية الاسم الذي ليس بحد وهو أظهر. وذلك لأن معناه أن هذا الاسم أعني به كذا وكذا. وهذا لا يمكن أن ينازع فيه أو يخاصم كما لا ينازع في الاسم. وأما أن هذه الذات حدها كذا وكذا فيمكن أن ينازع فيه ويخاصم. وبين الأمرين فرة.

ولو كان كل قول يطابقه اسم مطابقة يكون لها الاسم يدل على تلك الجملة، والقول يدل على تفصيل ما يدل عليه الاسم حدا، لكان مخاطباتنا وكلامنا حدودا. فما من لفظ مركب بلفظ استفهام أو خبر أو دعاء أو تمن أو تعجب أو ترج أو أمر أو نهي أو غير ذلك، إلا ويمكن أن يوضع اسم مفرد بدله. فيكون جميع ذلك حدودا. بل تكون القصيدة الطويلة مثل شعر أوميروس المسمى بأيلياس حدا لأنه لا يمكن أن تسمى باسم واحد مفرد، كما سمى البلد والقرية مع كثرة أجزائه باسم واحد. ثم يكون حده تفصيل جملته.

فبين إذن أن القياس لا يثبت حدا، والحد لا يكون قياسا، ولا دلالتهما على شيء واحد بعينه. فإنه لا قياس على ما يدخل فيما هو.

والاستقراء أيضًا إنما هو لإثبات"هلية"بسيطة أو مركبة، وحكمه حكم القياس والبرهان. ولا سبيل إلى إثبات الحد به.

أما أنه لا يمكن أن يبرهن على الحد فقد بيناه. وأما الآن فإنا نقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت