فهرس الكتاب

الصفحة 515 من 781

وإن شئت أن أبوح لك بالصدق، فسواء عندي طلب الشيء للشيء وطلبه لحده التام، وكذلك طلب الشيء للشيء وطلب حده التام له. وكأن من يأخذ أن كذا موجود لحد الشيء ويريد أن يبين أنه موجود للشيء فهو مصادر على المطلوب الأول. وكذلك الوجه الآخر: فليس وضع الشيء إلا وضع حده، ولا حمل الشيء إلا حمل حده. ولكن أمثال هذا إنما تكون قياسات على قوم بُله إذا ذكر لهم الأصغر وحده لم يحضرهم معناه، وإذا ذكر الأوسط وكان حدا للأصغر، ثم ذكر الأكبر، فهموا بالأوسط الأصغر وتصوروه ثم قبلوا حمل الأكبر عليه - لأن الأوسط توسط في التصديق، بل لأن الموضوع لم يكن مفهوما، فكيف كان يحكم بحمل شيء عليه؟ فلما فُهم صُدق ما يجب تصديقه له. فيكون الوسط إنما يقع في التصور بالذات، وأما في التصديق فبالعرض. وكذلك إن كان الحد للمحمول: فإنه لو كان الموضوع مفهوما والمحمول مفهوما، كل بحده، لما احتيج إلى أن يوسط الحد حدا أوسط: فإنه إن كان الحمل بينا على الحد فإنه يكون بينا على المحدود، وإن لم يكن على الحد بينا لم ينفع توسيط الحد. فغن كان أحدهما، وليكن الأصغر مثلا، مفهوما، لا من حيث حده، ووسّط حده وهو لا يشعر أنه حد، فلا يكون الانتفاع بتوسيط الحد من حيث هو حد أيضًا، بل يكون ذلك مثل حال من يتصور الإنسان لا من حده، بل من أنه ضحاك منتصب القامة، ثم يوسط الحيوان الناطق، فيجد حمل التمييز على الحيوان الناطق ظاهرا. وإنما وسط ليبرهن وجوده على الضحاك المنتصب القامة. فإن كان المبرهن عليه يجعل لفظ الإنسان موضوعا لكونه ضحاكا منتصب القامة، فيكون حده لا الحيوان الناطق، فيكون قد جعل الإنسان اسما لغير الحيوان الناطق، فصار حينئذ الحيوان الناطق لازما ورسما للضحاك المنتصب القامة، لا حدا له كما عرفت في غير هذا المكان. فإنك إذا سميت الشيء من حيث ما هو ضحاك منتصب القامة إنسانا، كان هذا الاسم حده أنه ضحاك منتصب القامة ولا مناقشة في الأسماء. فهاهنا لا يكون الأوسط حدا للأصغر. وأما إن لم يجعل الضحاك المنتصب القامة بإزاء الاسم، بل لمعنى هو لاحق لشيء آخر ليس يتعرض له فإن علم منه أنه ضحاك منتصب القامة وكان مجهولا له أنه حيوان ناطق، فلا يكون هذا معلوما أنه محمول عليه حتى يعلم أن الأوسط محمول على الأصغر فتلزم النتيجة. وإن كان ظاهرا أن هذه الذات هي الحيوان الناطق فلم يكن مجهولا مائيته؛ وإذا لم يكن مجهولا مائيته عاد إلى الوجه الأول فكان الطلب للإنسان والحيوان الناطق واحدا. وإن كان معلوما أنه موجود لتلك الذات ومجهولا أنه حده، فيكون أولا لم يتوسط الحد من حيث هو حد )116ب (؛ وثانيا أنه لا يكون معنى بتلك الذات ما نعني نحن بالإنسان. وذلك لأنه يجوز أن يكون العاني يعني بالاسم ما يجب أن يعني به، ولكنه يغفل أو يعجز عن التحديد ولا يتنبه له. وإما إذا عرف حمل معنى الحد عليه ووجوده له وفصل بين حديه، لم يجهل أنه حد. وإذا وضع الاسم ووضع الحد ولم يأخذه على أنه حد ولم يُجره ذلك المجرى، فليس عن غفلة ما يذهب عن تحديده، بل عن قصد، ويكون مراده بالاسم لا ذلك الحد، بل شيئا ما آخر مما يتصوره أو يغفل عنه، لو نُبه عليه لكان معناه غير هذا الحد، أو يكون ذلك الإنسان خالعا للصواب لا يلتفت إليه. وكذلك الكلام في جانب الأكبر.

ولما كانت البراهين الحقيقية كلها، والحدود - بعضها وأكثرها - إنما تتم بالعلل فواجب أن نعرف كم العلل فنقول: إن العلل أربعة: أحدها الصورة للشيء في حقيقة وجوده في نفسه. والآخر الشيء أو الأشياء التي تحتاج أن تكون أولا موجودة قابلة لصورة وجوده إذا حملتها بالفعل حصل هو، وهو المادة. والثالث مبدأ الحركة - وهو الفاعل. والرابع الشيء الذي لأجله يجمع بين مادة الكائن وصورته - وهو التمام. وكلها تصلح أن توضع حدودا وسطى. وذلك لأن علة لشيء في شيء فهي واسطة بينهما. مثلا إذا قلنا الزاوية الواقعة في نصف الدائرة مساوية لمجموع الزاويتين اللتين تحدثان من خطيهما والقطر، وهما معادلتان لقائمة، حتى إن كان الخطان متساويين كان كل منهما نصف قائمة، وكل زاوية مساوية لنصفي قائمة أو نصف قائمتين، أو لزاويتين معادلتين، فهي قائمة، فزاوية نصف الدائرة قائمة، فيكون الحد الأوسط هو المعادلة لما مجموعه قائمة، وهذا علة كالصورة للقائمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت