ويجب أن يسامح في أمثال هذه الأمثلة، ولا يقال بل إن كونها قائمة هي العلة لكونها مساوية لمعادلتين لقائمة. بل يجب ألا يراعى في الأمثلة التحقيق. فهذا مثال وضع فيه الحد الأوسط علة صورية. والأظهر من هذا هو البرهان على الشكل الرابع من أوقليدس.
وقد توضع العلة الفاعلة مثل قولهم في جواب سؤال السائل: إن أهل أثينة لمَ حاربوا أهل بلد كذا، فيقال لهم إنما حاربوا لأن أولئك كبسوا أهل أثينة. فقد أعطى هذا الجواب السبب الفاعل الذي هو مبدأ الحركة.
وقد توضع العلة التمامية فيقال إن فلانا لمَ يمشي فيقال لكي يصح. فكأنه يقول: فلان يطلب أن يصح، ومن يطلب أن يصح يمش للرياضة. فالحد الأوسط هو من الغاية. وكذلك يقال لمَ كان البيت؟ فيقال ليحفظ الأثاث. وكذلك لمَ يجب أن يمشى بعد العشاء؟ فيقال لئلا يطفو الغذاء فيفسد الهضم. والعلة في هذا كله هو الغاية.
وقد يعطى الموضوع والمادة، فيقال لمَ يموت الإنسان؟ فيقال لأنه مركب من متضادات وهذه العلل التي تصلح أن تجعل حدودا وسطى، فهي تصلح أن تتخذ منها حدود الشيء على النحو المذكور.
يجب أن يعلم أن العلل منها ما هي بعيدة مثل توقي سوء الهضم في جواب طلب لمَ يمشى؟ وذلك من الغاية؛ والشدة في جواب طلب لمَ فلان؟ وذلك من المبدأ الفاعل؛ وتضاد الأركان في جواب طلب لمَ يموت الحيوان؟ وذلك بالمبدأ العنصري؛ وقيام خط على خط في جواب طلب كون زاوية كذا قائمة، وذلك بالمبدأ الصوري.
ومنها قريبة توقى احتقان الخلط واستيلاء البرد في الجواب بغاية المشي، والعفونة في الجواب بمبدأ الحمى الفاعلي، واستيلاء اليابس على الرطب في الأخلاط في الجواب بالمبدأ العنصري للموت، والقيام على خط عن زاويتين متساويتين في الجواب الصوري لكون زاوية كذا قائمة.
ومن العلل ما هو بالذات ومنها ما هو بالعرض. أم الذي فكالثقل لانهدام الحائط وهو من باب المبدأ الفاعلي، وكالصقالة لعكس الشبح، وهو من باب المبدأ العنصري، مثل كون الزاويتين متساويتين في الجنبين مبدأ لإثبات كون الخط عمودا، وهو من باب المبدأ الصوري، وكالصحة ٌثبات أنه يمشي قبل الطعام، وهو من باب المبدأ التمامي.
وأما التي بالعرض فكزوال الدعامة لانهدام الحائط في إعطاء المبدأ الفاعلى؛ وكالحديدية لعكس الشبح في إعطاء المبدأ العنصري؛ ومثل كون الزاوية الواقعة على الخط القائم من الخط الموازي للخط المقوم عليه قائمة؛ لكون الخط عمودا - في إعطاء المبدأ الصوري؛ وكالكلال للمشي قبل الطعام أو العثور على كنز: في إثبات المبدأ التمامي.
واعلم أيضًا أن كل واحد من هذه الأسباب قد يكون بالقوة وقد يكون بالفعل. وكون العلة بالفعل هو سبب لكون المعلول بالفعل، وأما إذا كان بالقوة فليس كونه بالقوة سببا لنفس كون المعلول بالقوة، بل ذلك للمعلول من نفسه.
وقد يكون السبب خاصا وقد يكون عاما، وقد يكون جزئيا بإزاء المعلول الجزئي، وقد يكون كليا.
واعلم أن وجود الغاية ووجود الصورة يلزم من كل واحد منهما وجود المعلول لا محالة. فالصورة مع المعلول في الزمان، والغاية قد تكون بعده في الزمان. ووكلاهما أقدم بالعلية. وأما المادة ففي كثير من الأمور الطبيعية يلومها الصورة بالضرورة ويوجد بوجودها المعلول والغاية لا محالة. والضرورة لا تمنع الغاية: فإن كثيرا من الأمور الطبيعية يكون بالضرورة والغاية معا، مثل أن المادة التي خلقت منها الأسنان الطواحين عريضة، إذا حصلت بتمام الاستعداد يلزمها الصورة ضرورة. ومع ذلك فإن خلقة عرضها لتمام وغاية، وهو طحن الطعام، كما أن خلقة حدة الأنياب لتمام وغاية، وهو قطع الطعام. والمثل الذي ضربه المعلم الأول لهذا أنه إذا سئل فقيل لمَ ينفذ ضوء السراج في المجاري التي هي أوسع، إن كان ينفذ؟ فيمكن أن يجاب من جانب الضرورة العنصرية فيقال للُطف الأجزاء، ويمكن أن يجاب من جانب العلة التمامية فيقال لئلا نتعثر فيه ونزلق. وكذلك إذا سئل فقيل لم يحدث الصوت في السحاب؟ فيجاب تارة فيقال لضرورة الانطفاء، ويجاب تارة فيقال لتهديد أصحاب الهاوية على ما يقوله فيثاغورس في أمثاله. وليست هذه الضرورة ضرورة قسر بل ضرورة طبع.