وإنما أخرنا هذا البيان في الفن الأول، لأن مقدم ذلك الفن لم يكن ممن يذهب هذا المذهب، وأن حيث نحاذي فيه التعليم الأول، فيجب علينا أن ننبه على الصواب الذي كان القصد متجها عليه ليزول التشكك، وتنحل الشبهة.
هذا، وأما العرضيات فإما أن تكون خاصة بالشيء مساوية له، وإما أن لا تكون ويسمى جميع ما ليس خاصة مساوية في هذا الكتاب عرضا عاما، وإن كان لا يوجد مثلا في نوع غير النوع الواحد إذا لم تعم أشخاصه. وقد علمت أن هذا العرض نعني به ما نعني بالعرض المقابل للجوهر بوجه ما؛ وهذا أمر قد بان لك فيما سلف. فهذا العرض هو عرض غير مساو. ولم يكن هذا العرض الذي في"إيساغوجي"، وإن كان، فلم نذهب إليه في تعليمنا إياك هناك. ولا نمنعك أن تجعل القسمة هناك على هذا القبيل، وقد أومانا إلى ذلك هناك. وإذا وقعت قسمتك على هذه الصفة، فقد حصلت المحمولات أربعة لا غير: حدا، وجنسا، وخاصة، وعرضا. فإذن كل إثبات وإبطال في المطالب؛ فغنما يتوجه إلى أحد هذه.
فأما الحد فهو قول دال على ما به الشيء هو ما هو. وقد تحققت هذا فيما سلف؛ وعلمت مما تحققته أنه لا يلزم عليه قول من قال: إن حد الجنس إذا كان محمولا في مقدمة لم يكن حد للموضوع، وكان قولا، إذ كان مفصلا، وكان دالا على ما هو الشيء.
على أن قوما قالوا: إن قولنا"دال على ما هو"غير قولنا"دال على ما به الشيء هو ما هو"؛ فإن الجنس دال على ما هو؛ وأما على ما به الشيء هو ما هو، فليس دالا؛ إذ ليس يدل على كمال ماهية الشيء؛ وعلى فصله الذي هو به ما هو؛ فإن كان هذا حقا، فسيكون قول الجنس على هذا المذهب ليس دالا على ما به الشيء هو ما هو. إلا أني كلما أردت، بل واجتهدت أن أعلم ما الفرق بين طلب ما هو، وبين طلب ما به الشيء هو ما هو، حتى أجد الفرق بين ما يصلح لجواب هذا، وبين ما يصلح لجواب ذلك، تعذر على كل التعذر، ورأيت هذا الكلام نوعا من التكلف.
وأما اعتراض من يعترض: إنكم بقولكم هذا قد حددتم الحد، ولو كان للحد حد، لوجب أن يكون لحد الحد حد آخر؛ ويتسلسل الأمر إلى غير النهاية. فقد أجيب عن ذلك بقول لست أقنع به؛ وهو أنهم قالوا: إنا حددنا الحد المطلق دخل فيه الحد نفسه، فلم نحتج أن نحد مرة أخرى.