فهرس الكتاب
وأما المتساوي الأضلاع، فإن حمل كون الزوايا مثل قائمتين عليه حمل بالعرض؛ وذلك لأن متساوي الأضلاع قد يكون مثلثا، وقد يكون غير مثلث؛ والمثلث أيضًا قد يكون متساوي الأضلاع، وقد لا يكون. فإذا عرض لمتساوي الأضلاع أن كان مثلثا، عرض له حينئذ أن كان زواياه كقائمتين؛ فإن عرض له أن كان مربعا، لم يكن ذلك عارضا له فإذن قولنا مساوي الزوايا لقائمتين، أمر يقال على كل مثلث بالذات، وعلى متساوي الأضلاع، وقتا ما، وبالعرض لأجل ما عرض له أن كان مثلنا، ولأجل عارض له بالجمل. ومثل هذا الحمل يكون بتقدم وتأخر مطلق مختلف في الاستحقاق، ويكون بالتواطؤ الصرف بل بالتشكيك؛ أعني إذا قيل على المثلث، وعلى متساوي الأضلاع. وأما على أصناف متساوي الأضلاع فلا يكون بالتشكيك، بل يقال عليها بمعنى واحد في درجة واحدة، حتى لا يُتوهم من هذا أنا قد رجعنا مما قلنا قديما، إذ منعنا أن يكون مثل هذا المقول لا بالذات متواطئا. فإنا إنما منعنا أن يكون بالتواطؤ، وهو مقيس إلى جزئيات طبقتين قياسا يوجب في الطبقتين اختلافا من حيث التقدم والتأخر، أو الاستحقاق، أو غير ذلك مما سلف بيانه. وأما في كل طبقة، فحمله حمل واحد.
ولكن لقائل أن يقول: فمساواة الزوايا لقائمتين يقع على المثلث المطلق، وعلى متساوي الأضلاع، بالتشكيك ليس بالتواطؤ، إذ يقع بتقديم وتأخير، فلم احتجنا إلى أن نجعل متساوي الأضلاع مطلقا، لا مثلثا متساوي الأضلاع؟ فأقول: إنه ليس كذلك؛ وذلك لن التقدم والتأخر في التشكيك إنما يعتبر في أمور مختلفة، ليس يحمل بعضها على بعض بالذات، بل ذواتها متباينة الحدود. وأما ما كان تقدمه بأنه أعم، فذلك تقدم بحسب الوهم. وأما في الوجود، فالمثلث الموجود هو إما نفس المتساوي الأضلاع، أو نفس القائم الزاوية، أو غير ذلك. وقولنا: كل مثلث فإنما نعني بذلك هذه المثلثات، والحمل في القضايا عليها، وليست ذواتها متباينة في القوام للمثلث الموجود، بل هي في ذواتها وفي حقيقتها مثلثات. فكيف نضع المثلث شيئا، وهذه الأشياء أشياء مباينة له، خارجة عنه، ثم نقول عليها شيئا، كما يقال على أمور كثيرة مختلفة، لبعضها أولا ولبعضها ثانيا، وهي متباينات؛ كما يقال الموجود على ذاتين متباينتين في الحقيقة، ولكن لأحدهما أولا وللآخر ثانيا، بل قد يشتق لأحدهما الاسم من الآخر. ففي أمثال ذلك يكون اللفظ الواقع الوقوع الذي فيه تقدم وتأخر واقعا بالتشكيك. وهذا مثل متساوي الأضلاع، من حيث هو متساوي الأضلاع، والمثلث، من حيث هو مثلث؛ فليس وجود أحدهما من حيث هو متعلقا بالآخر ولا هو هو إلا بالعرض، هما شيئان متباينات مختلفان ليس أحدهما جزء من حد الآخر ولا محمول على الآخر بأنه هو هو بالذات.
فيجب إذن أن نفصل أمر التشكيك في هذا المذكور فنثبت أن الحكم موجود فيها كلها؛ أو نبطل بأن ليس موجودا فيها كلها. وقد يكون نوع من التشكيك مختلطا بأن يكون اللفظ يدل على النسبة، وليست النسبة كلها نسبة إلى غاية واحدة؛ ونسبة إلى مبدأ؛ مثل العلم بالشيء، فإنه يعم ما يكون علما بما هو له مبدأ، كالعلم بالصحة، وربما هو له كالغاية، كالعلم بالمتضادات، فيكون العلم بالشيء يعم هذين عموم مشكك، لأنه يعم كل ما تكون له نسبة إلى الشيء. وقد يكون أعم من هذا، وهو أنه يتضمن مثل هذين الشيئين، والذي بالذات وبالعرض أيضًا؛ كقولهم:"الشهوة للشيء"، فإن لفظة للشيء مشككة، فإن الشهوة للشيء قد تكون على أنها غاية كالصحة، وعلى أنها مبدأ كالمداواة؛ وعلى ما بالذات كمن يشتهي الحلو لأنه حلو؛ وعلى ما بالعرض كمن يشتهي الشراب لا لأنه شراب بل لأنه حلو؛ فيقال لجميع هذا مشتهى بالتشكيك الشامل لجميع المعاني المذكورة. وأكثر ما يقع مثل هذا التشكيك في الأمور المضافة المنسوبة التي تقال بحسب الشيء، كالعلم بالشيء، والملك للشيء، والشهوة للشيء، فتكون أكثر منفعة هذا الموضع في الأمور المنسوبة والمضافة. وهذا الموضع ينفع في الإثبات والإبطال منفعة المواضع المأخوذة عن الأمور الكلية، من حيث اعتبار جزئياتها؛ فإنه تارة يعتبر المحمول ويؤخذ ما يعرض له فيجعل عارضا للموضوع؛ مثل قولنا: إن الإحساس إدراك ما، وتمييز ما، وكل تمييز فمن شأنه أن يقع خطأ وصوابا.