فهرس الكتاب

الصفحة 574 من 781

لست أقول: وكل تمييز إما خطأ وإما صواب، على وجه قسمة تقتضي تباين الموضوعين، فإنك علمت - حيث تكلمنا في الجزئيات - أن هذا لا ينتج ما نستنتجه الآن، بل يجب أن تكون الحالتان مما يعرضان لكل واحد، كقولنا: كل إنسان يتحرك أو يسكن، ليسا مما يقتسمان المحمول، فحينئذ ينتج أن الحس قد يخطئ ويصيب. وأمثال هذه المقدمات الكلية يسهل أخذها في الجدل إذا كانت صادقة في الأغلب وفي الظاهر، فتصير لذلك مشهورة، ويصعب أخذها في البراهين.

فهذا النمط فيه بيان لحال الجزئي الموضوع من حال الكلى الموضوع. وتارة يعتبر الموضوع على نحو ما بينا. أما إن كان المطلوب جزئيا، كما يطلب طالب ليصحح أنه قد يوجد حال ما خسيسا، وحال ما فاضلا، بأنه يقول: إن كان يوجد علم ما خسيسا كعلم اتخاذ الدفوف، وعلم ما شريفا كعلم التوحيد، فقد يوجد حال ما خسيسة، وحال ما شريفة.

والموضع الأول ليس مطلق النفع في الإثبات، فإنه ليس موضعا مستمرا صادقا في نفسه في كل موضع، فإنه ليس أن يكون ما يعرض للجنس يعرض لا محالة للنوع، أو يكون مشهورا في مثله العرض، بل إنما يكون ذلك صادقا أو مشهورا إذا كان على الشرط الذي أومأنا إليه. فإن لم يكن بذلك الشرط. لم يكن بيّنا ولا مشهورا أن حكم الجزئي فيه حكم الكلى. فيجب يستعمل ذلك الموضع حيث يكون فيه الشرط المذكور، ولا يستعمل بلا ذلك الشرط، وإلا لم يكن القول مشهورا ولا حقا، فيكون استعماله مغالطة.

وأما المثال الثاني، فإنه يثبت الجزئي لا محالة بلا شرط؛ فإن كل ما يوجد للنوع، فهو موجود لطبيعة الجنس، وإن لم يعم. فإن أردنا الإبطال، أعني اللاوجود فالموضع الأول نافع على إطلاقه؛ فإنه إذا لم يوجد للجنس، لم يوجد البتة للنوع. وليس الموضع الثاني نافعا فيه، فإنه ليس إذا لم يوجد الشيء للنوع لم يوجد للجنس. لكنه يجب أن تعلم أن الموضع الثاني لا ينفع في الإثبات الكلى، والموضع الأول ينفع في الإبطال الكلى.

ونقول: إنه إذا كان الشيء الجنسي يحمل على الشيء، أو يشتق له اسم منه، كما يقال للإنسان عالم، والعالم معنى جنسي يشمل المهندس والنحوي وغيره، فيجب ضرورة أن يكون في الموضوع معنى نوعي داخل تحت المعنى الجني المحمول عليه، فيكون ذلك المعنى موجودا في ذلك الموضوع يشتق ه منه اسم، لكن المحمول مقول عليه. فإنه إذا لم يكن الإنسان موجودا فيه نوع من أنواع العلوم، حتى يشتق له منه الاسم، فيكون كاتبا أو نحويا أو مهندسا، فإنه ليس بعالم أصلا. وهذا كأنه موضع من رأس، معتبر بحسب اعتبار ما يوضع للمحمول ليس باعتبار ما يحمل عليه؛ وهو والأول مشترك على نحو ما علمت بين الجدلي والبرهاني.

بل هذه موضوعات ثلاثة: موضع من موضوعات الموضوع؛ وموضع مما يقال على المحمول قولا، وموضع مما يقال عليه المحمول قولا. وإن اتفق تتشارك بعض هذه المواضع في الموضوع فالاعتبار مختلف. وقد علمت أنه كيف يصلح ما سلف للإثبات والإبطال.

وأما هذا الموضع الأخير، فإنه يصلح للأمرين بوجهين: أما للإثبات فإنه إذا وجد أحد أنواع موضوعات المحمول محمولا على الموضوع الأول، فقد انعقد قياس من الضرب الأول. وأما الإبطال فليس أن لا يوجد إلا أحد موضوعاته، بل ولا شيء من موضوعاته حتى إذا عدت مثلا الحركات كلها، وكانت النفس لا توجد فيها حركة، صح الإبطال بأن النفس لا تتحرك أصلا.

ومنفعة هذه المواضع هي من حيث تعتبر موضوعات الحدين ومحمولاتها في الوضع، فيجبب إن لم تتبين من جهة اعتبارها أن ترجع إلى حدودها وتحللها، ليلوح لك البيان. فكذلك الحال فيما سلف لك من المواضع، فإن تحليل الحد يسهل السبيل إلى وجود الحجة، كما قد علمت.

ويجب أن تعتبر الحدود الحقيقية والمشهورة جميعا والرسوم؛ وفرق بين الحدود المشهورة وبين الرسوم، فإنه ربما كان الحد المشهور رديا أو كاذبا، لا حدا ولا رسما، وربما كان ما هو في الحقيقة حد، هو في المشهور هو رسم، وما هو في الحقيقة رسم هو في المشهور حد، وربما بينهما المشهور على العدل والواجب، وربما زاغ.

فصل (ج)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت