فهرس الكتاب

الصفحة 579 من 781

ووجه آخر يعتبر بحسب المقابلة، إما من النظائر، فمثل أنه إن كانت الشجاعة حكمة فالشجاع حكيم؛ وإما من التصاريف، فمثل أنه إن كان يجري مجرى الشجاعة هو ما يجري مجرى الحكمة، فالشجاعة حكمة. وهذا موضع جدلي مشهور في بعض المواد، ويصلح للإبطال والإثبات؛ وليس بتعليمي. ولا ينعكس، حتى إذا كان الحكيم شجاعا، فالشجاعة حكمة، وإن كان الحكيم يلزمه أن يكون شجاعا لزوم المقوم أو لزوم التابع، يلزم أن تكون الشجاعة يلزمها أن تكون حكمة، بل أن تكون معها الحكمة. وكذلك في المثال الآخر.

وموضع آخر من حال الكون والفساد مخصوص أيضًا بمحمول الخير والمحمود. فإن ما كونه خير فهو خير، ويجب أن يؤخذ الخير بمعنى يعم المحمود والخير الحقيقي، حتى يقرب من أن يكون تعليميا؛ فإن أخذ مطلقا لم يبعد أن يكون مشهورا. وكذلك ما كونه شر فهو شر، فيجب أن يؤخذ الخير والشر بالقياس إلى شيء واحد، أو يؤخذ كلاهما مطلقين، حتى ربما قربا من النفع في العوم. فغن أخذ بدل الكون والفساد، كان موضع آخر وكان بالعكس؛ فإن ما فساده شر فهو خير، وما فساده خير فهو شر.

وكذلك إن أخذ فاعل الخير مكان الكون، وفاعل الشر مكان الفساد؛ وليس ببرهاني فليس يجب أن يكون فاعل الخير في نفسه خيرا، لأنه فاعل الخير، ولا فاعل الشر في نفسه شرا، لأنه فاعل الشر. فإن ادعى صحة هذين القولين، احتيج إلى قياس يوجبهما. وأما إذا أخذ كالبينين بأنفسهما لم يجب الالتفات إليهما، إلا من حيث الشهرة فقط، فليس بواجب أن يجري كل فاعل مجرى فعله، ولا ببيّن بنفسه أن يكون الشر لا يصدر إلا عمن ذاته شر.

ومع ذلك فأن يفهم كون ذات الشيء شرا، وكون فعله شرا يشتغل أولا عن فصل القول في القضيتين، وينكشف ثانيا عن أن الشهرة لا تطابق الإحقاق في هذه الدعوى؛ الهم إلا أن نعني بالشر أن ذاته في نفسها شر، بل أنها يصدر الشر عنها، فيكون كأن القائل قال: فاعل الشر فاعل الشر؛ وهذا وإن كان حقا، فهو هذر.

ومن المواضع مواضع المتشابهات؛ وهي كأنها تمثيلات يجعل فيها أحد الشبيهين مقدما، والآخر تاليا. وهذا جدلي صرف؛ كقولهم: إن كان قد يكون بالأضداد علم واحد، فقد يكون بالأضداد ظن واحد. وإن جاز أن يكون البصر بخروج شيء إلى المبصر، جاز أن يكون السمع بخروج شيء إلى المسموع؛ وإن كان ما له بصر يبصر، فما له سمع يسمع. وهذا يصلح للإثبات والإبطال، على ما علمت. فإنه قد يقبل أن ما كان للشبيه فهو للشيء، وما لم يكن للشبيه فليس للشيء.

ومن المواضع مواضع إلى الوحدة والكثرة. وهذا يصلح للإبطال، أعني إذا اختلف الموضع والمحمول في النسبة إلى الكثرة والوحدة. كمن يضع أن كل علم فهو تصور وفهم، فيقال له: إن العلم قد يكون بأشياء كثيرة معا، والفهم ليس يكون لأشياء كثيرة معا؛ فليس كل علم فهما. وهذا الموضع برهاني، وفي مثاله المورد مقدمات مشهورة.

ومواضع أخرى مأخوذة من الأكثر والأقل؛ وهي مواضع الأحرى. وهي أربعة مواضع: أحدها أن يجعل ما هو أكثر في معنى الموضوع، أكثر في معنى المحمول؛ والقياس قياس شرطي، مثاله: إن كانت اللذة خيرا، فما هو أكثر فهو أكثر خيرا؛ وإن كان الجور شرا، فما هو أكثر جورا فهو أشد شرا. وهذا مشهور.

لكنه إن صدق المقدم فيه كليا، حتى كان قولنا: إن كل لذة خير حقا، صدق لا محالة ما هو أكثر لذة فهو أكثر خيرا؛ فكان الموضع علميا. وأما إن أخذ مهملا فيكون مشهورا، ولا يكون حقا؛ فإنه ليس إن كان السكنجبين نافعا للمريض، فما كان أكثر كان أنفع، بل ربما ضر. فأما إذا كان مسلما أن كل سكنجبين نافع، دخل فيه القليل والكثير، فيجب أن يكون الأكثر أيضًا نافعا؛ وإن كان نافعا لوجب أن يكون أكثر نفعا. وهذا الموضع - كما تعلم - نافع في الإثبات والإبطال جميعا.

والموضع الثاني من الأربعة. أن يعتبر مع المحمول محمول آخر، حكمه في أن يحمل أولى من حكم هذا؛ فغن لم يحمل، ولم يؤخذ ذلك، ففي المشهور أن هذا لا يحمل، ولا يؤخذ؛ وهذا للإبطال. وإن وجد ما ليس أولى، ففي المشهور أو الأولى يؤخذ؛ وهذا للإثبات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت