وأما حال هذا الموضع في العلوم فيختلف بحسب اختلاف المفهوم من لفظة"أولى"؛ فإنه إن عني بالأولى الأول بالطبع والأقدم، صار الموضوع علميا؛ وإن عني به ما وجوده أكثر من وجود الآخرين من غير تعلق، أو وجوده أشد موافقة للموضوع من وجود ذلك من غير تعلق، فليس الموضع بتعليمي.فإنه كثيرا ما يكون ما هو في الأقل، ولا يكون ما هو في الأكثر. تأمل ذلك من طرفي النقيض، وأحدهما أولى بالشيء وأكثر له، مثل ابتلاع الإنسان لما يمضغه، والآخر ليس بأولى بالشيء، بل هو أقلي نادر، وهو كغصته به. وقد يتفق أن لا يكون هذا الذي هو أولى، ويكون ما ليس بأولى؛ وإلا لكان الأولى دائما لا أكثريا. وكذلك حكم ما كان مما ليس بأولى، فقد يؤخذ كثيرا دون الأولى.
والموضع الثالث من هذه المواضع عكس هذا، وهو أن تكون الكثرة في جه الموضوع، والمحمول واحد؛ فينظر إن لم يوجد المحمول لما هو أولى أن يوجد له، لم يوجد لما ليس أولى؛ وإن وجد لما ليس أولى، فقد وجد لما هو أولى. وهذا الموضع حاله في شروط صيرورته علميا حال الذي قبله.
والموضع الرابع من هذه المواضع، وهو أن يكون الاعتبار بين محمولين وبين موضوعين، وأحد المحمولين ليس أولى بموضوعه من المحمول الآخر بموضوعه، ثم يعتبر ما قيل.
ثم هاهنا مواضع مأخوذة من المساواة بعدد هذه المواضع بأعيانها، وهي ثلاثة: حال محمولين متساويي النسبة في الأولى وغير الأولى لموضوع أو موضوعين لمحمول، أو محمولين لموضوعين. ثم يعتبر ذلك بعينه؛ وليس شيء منها علميا. وتشترك في أنه إن كان ما هو مثل في استحقاق أن يكون قد كان، فالآخر كان؛ أو لم يكن، فلم يكن.
وموضع آخر يعتبر من فعل الشيء إذا أضيف إلى غيره، وقرن به، فجعله بحال، فتقضي بأنه بتلك الحال؛ مثل أن يجعله خيرا أو أبيض، فنقضي بأنه خير أو أبيض؛ وهو غير علمي. وأحسن مواضعه الخلقيات، فإنه قد تقترن الحركة بالمادة فتجعلها حارة، وهي غير حارة.
وموضع قريب من هذا، وهو أنه إذا زيد شيء على شيء، فجعله أزيد في حال كان له مثلا في كونه خيرا أو بياضا، فهو بتلك الحال. وليس علميا أيضًا؛ فغن الحرة إذا زيدت على الحار صار أحر، وليست حارة.
وهذا الموضع والذي قبله للإثبات؛ ولا يصلحان للإبطال؛ فإنه ليس إذا زيد شيء على شيء، فلم يجعله بصفة، لم يكن على تلك الصفة. فإن الزوج إذا زيد على الفرد، لم يجعله زوجا، وهو زوج. والحلو إذا زيد على المر، لم يجعله حلوا، بل مزاجا آخر، وهو حلو. وأيضًا فإن العصير إذا زيد على العسل، وهو حلو، لم يجعله أشد حلاوة، والعصير حلو. على أنه لا يبعد أن يحمد هذا الإبطال بعض الجدليين، حين لا يفطن لمثل هذا العناد.
وموضع آخر: أنه إذا قيل المحمول على موضع، أو على شيء بمعنى الأولى والأكثر، فهو مقول عليه بالإطلاق. مثاله: إن كان خمر أقل إسكارا من خمر وأكثر، فهو مسكر على الإطلاق. وما لم يكن الشيء خيرا يقال إنه أكثر خيرية أو أقل خيرية، فإن الشر لا يقال له إنه أكثر أو أقل خيرية. وهذا ليس يصلح في الأبطال. فإنه ليس إذا لم يقل بأقل أو أكثر، لم يقل بإطلاق؛ فكثير من الأشياء لا تقبل الأكثر والأقل.
وهذا الموضع ليس له عناد علمي، وله عناد جدلي. أما أنه ليس له عناد علمي، فهو أنه إذا لم يكن للشيء معنى بوجه من الوجوه، فليس له ذلك المعنى أقل أو أكثر. فإن الأقل والأكثر يجب أن يكون معه الشيء موجودا، حتى يكون قليلا، أو يكون كثيرا.