فهرس الكتاب

الصفحة 597 من 781

وموضع آخر: أن تجعل الفعل - محمودا كان أو مذموما - نوعا من القوة عليها؛ كمن جعل السرقة قوة على حسن الاقتيات بملك الغير سرا؛ وذلك لأن القوة لا يصير بها صاحبها القوى شريرا، والسرقة يصير صاحبها السارق شريرا، ولو كانت القوة تجعل القوى شريرا، لكان الملك شريرا، ومن المشهور أنه قادر على الشر، وكان الإنسان الفاضل شريرا، ومن الحق انه قادر على الشر. بل نفس القوة مختارة محمودة، لم تخلق عبثا، بل هي معدة نحو المصالح، ولكنها لا تكون قوة أو تكون على المتقابلات. ومحال أن يكون الشر في جنس مختارا محمودا. وكذلك أيضًا إن جعل الفعل المحمود لذاته، أو الغاية المحمودة لذاتها نوعا للقوة عليها، أو نوعا للقوى والفاعل، وذلك لأن الغايات وما يؤثر لذاته، لا يكون نوعا مما يؤثر لغيره، والقوة لا تؤثر لغيرها. ومحال أن يكون المؤثر لذاته في جنس ما يؤثر لغيره، فإنه إذا كان من حيث هو قوة تؤثر لغيره كان معناه أن طبيعة القوة مؤثرة لغيرها. ومعنى هذا أن كل قوة مؤثرة لغيرها، ولا شيء من الغايات الحقيقية المحمودة لذاتها هي مؤثرة لغيرها، فينتج ما تعلم. وقد يجوز أن يكون الشيء الواحد يؤثر لذاته ولغيره؛ ولكن ليس هذا الموضع في مثل ذلك؛ فإن كان في مثل ذلك فالموضع مشهور غير حق.

والذي قال في بيان هذا الموضع إن النوع يكون مختارا مؤثرا، والجنس ليس كذلك، مثل الفضيلة والملكة، على أن الملكة ليست مؤثرة البتة، فهو قول جزافي؛ وذلك لأن الملكة ليست مختارة ولا مكروهة، بل تصير مختارة وتصير مكروهة بالفصول. ولا يمتنع أن يكون النوع مؤثرا، والجنس لا يؤثر ولا يكره، بل المنع هو أن يكون الجنس مؤثرا، والنوع مكروه الذات، أو الجنس مكروه الذات، والنوع مؤثرا. وامتناع هذا حق، أو أن يكون النوع مؤثرا لذاته، والجنس مؤثرا لغيره؛ وامتناع هذا مشهور من جملة المشهورات التي تؤيد مال واستقراء.

وموضع آخر، أن الشيء نسبته إلى كل واحد من أمرين أنهما جنس له نسبة واحدة، ثم ينسب إلى أحدهما دون الآخر، فيجعل جنسا له دون الآخر، مثل ما يقال: سارق، أو مخادع، أو ساع، فإن كل واحد من هذه يجب أن يكون قادرا، أي متمكنا. ويجب أن يكون مختارا، فإنه إن قدر وتمكن ولم يختر، أو اختار لكنه لم يقدر، أي لم يتمكن - لست أعني القدرة التي هي القوة - لم يكن مخادعا أو ساعيا أو سارقا بالفعل. ثم ليس أحد الأمرين أولى بان يكون جنسا والآخر فصلا. فإن كل واحد منهما قد ينقسم بالآخر، وكل واحد منهما يوجد في غير ما يوجد فيه الآخر. فإنه قد يكون مختارا لا يتمكن، وقد يكون متمكنا لا يختار، فإما أن لا يكون ولا واحد منهما جنسا، أو يكون كل واحد منهما جنسا؛ ثم إن كان كل واحد منهما أمرا محققا لماهية فأيهما جعلته جنسا للمفروض نوعا كالسارق، ثم لم تذكر الآخر، قلما تدل على طبيعة المعنى المشترك فيه بالكمال. فكما أنه ليس إحداهما أولى بالجنسية فليس أولى بالفصيلة. وهذا الموضوع بالحقيقة إنما يمكن في أمور يحمل عليها أمر أن كل واحد منهما شرط في وجوده وليس واحد منها أولى بأن يتخصص به من الآخر في ظاهر الأمر. فإذا أثبت أحدهما جنسا، كان للمعارض أن ينازع ويقول: إنه ليس أولى بأن يكون جنسا من الآخر. فإذا ليس الآخر جنسا، فليس هو جنس. وأما أن أمثال هذه الأشياء قد يمكن أن يكون لها جنسان، فالقول فيها هو القول فيما سلف ذكره من الأجناس الحادثة بفصول متداخلة وقد قيل فيها ما قيل؛ وأما هاهنا، وفي هذا المثال عند التحقيق، فإن الجنس هو الاختيار والتمكن هو الفصل لعلة من العلل يجعل ذلك أولى بالجنسية، وهذا بالفصيلة، وإن كان العموم لا يجعله. وليس هذا موضوع تطويل القول فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت