ومن المواضع الشبيهة بذلك أن يجدوا للشيء لازما لا ينفك عنه، لكنه خارج عن حقيقته وماهيته، فيجعلونه جنسا له، كمن يجعل الغم جنسا للغيظ، ويجعل الظن جنسا للتصديق؛ لكن الغم ليس هو نفس الغيظ ولا مقولا عليه، بل هو أمر يتقدمه فيوجبه، ولا الظن جنسا للتصديق، ولا مقولا على تصديق، بل يحدث أولا ظن، ثم يكون تصديق، فيكون إذن الغم والظن أمر يلزم أن يتقدما الأمرين الآخرين، وليسا بجنسين له. ولو كان الظن جنسا للتصديق لما صح أن يبقى اعتقاد واحد، فيستحيل عن كونه ظنا بعد ما كان ظنا. فإن ذات الشيء لا تبقى واحدة بالعدد وتخرج من جنسها.
وأيضًا، إن لم يكن الجنس فيما فيه النوع، بل كان النوع في غير ما فيه الجنس، فليس الجنس جنسا؛ مثل من يقول: إن الحياء خوف ما، لكن الخوف الحيواني من قوة النفس الحيوانية، والحياء في النطقية. وكذلك من يقول: إن الغيظ ألم وغم؛ فإن الغيظ في الغضبية، والألم في الحس، والغم في الشهواني أو في السياسي. وكذلك من قال: إن الحس الحيواني مشيئة ما، والمشيئة فكرية، وتلك شهوانية. وهذا الموضع وما شبهه نافع في الإثبات والإبطال المطلقين، وإن لم يكن للجنس وحده.
وموضع آخر: أنه إن كان الجنس ليس يقال على النوع قولا مطلقا، بل من جهة، فليس الجنس جنسا. وكونه من جهة يفهم منه معنيان: أحدهما أن يكون مقولا على جزئه لا على كله، مثل العضو، فإنه يقال على جزء من الإنسان قولا كالجنس، ولا يقال على كله البتة بوجه من الوجوه، فلا يقال البتة للإنسان إنه عضو. والثاني أن يكون يقال على كله، ولكن من جهة جزئه، سواء كان عارضا للجزء أوليا، أو كيف كان؛ مثال ما يقال: إن الإنسان محسوس، فإن الإنسان إنما هو محسوس لأجل ظاهر جسمه، حتى لو فصل جسمه عن نفسه ولكان ذلك الجزء محسوسا، وإن لم يكن جزء إنسان. وليس هذا شرطا في هذا القسم، فإنه ربما كان ذلك المعنى لا يقال عليه لو فصل جسمه مثل الصحيح؛ لكن إنما أوردت ذلك لتفهم أنه كيف يكون تعلقه بالجزء.
وبالجملة يجب أن يكون الجنس جنسا للشيء في ذاته مطلقا، فتكون ماهيته المشتركة المعرفة لذاته تعريفا مشتركا. فأما ما يقال على ذاته لا لأجل ذاته بل لأجل جزئه، فإنه إما غير محمول على ذاته، وإما أن يقال على ذاته من حيث تنسب ذاته إلى غيره، مثل أن ينسب إلى جزئه، فإن جزأه غيره، أو من حيث له غير آخر كيف كان، فلا يكون المحمول جنسا، فغن جنسه يحمل على صريح ماهيته التي له في ذاته لا بحسب غيره. فيجب إذن أن يكون الجنس محمولا على الذات، لا من جهة شيء في جزئه، ولا من جهة شيء في شيء آخر متصل به أو عارض له.
وموضع آخر يتلو هذا الموضع كأنه منتج منه، وكأن قائلا قال: إن الجسم يحمل على الإنسان وهو جنسه، وليس يقال عليه من جهة جملة المركب من جسم ونفس، بل يقال على أحد الجزأين: وهو جسمه الذي يخصه، فيكون جسمه الذي يخصه نوعا من الجسم ويكون الجسم جنسا لجزئه، ولا يقال عليه مطلقا. والمعلم الأول قال في جوابه: إنه لا يجوز أن يؤخذ الجزء البتة كالجنس،ولا ما يحمل عليه الجزء، فإنه لا يجوز أن يحد الحيوان بأنه جسم ذو نفس، وإلا فيكون الكل محمولا عليه الجزء الذي هو الجسم، فيكون الكل هو الجزء؛ وهذا محال.
وأقول: إن هذا الموضع علمي، والمثال المورد فيه حق من جهة العلمية، وليس بمشهور، فغن المشهور أن الجسم جنس للإنسان. فيجب عليك أن تتذكر ما علمتك في الفن الذي في"البرهان"من الفرق بين الجم الذي هو جزء إنسان، والجسم الذي هو جنس الإنسان، وتعلم من هناك أن أحدهما ليس البتة محمولا على الإنسان أو الحيوان فإن الحيوان ليس هو بالجزء الجسماني الذي هو بالحالة والطبيعة التي لأجلها اقترن بها النفس، بل هو مجموعها، وذلك المجموع جسم، لا لأنه ذلك الجسم الذي هو الجزء.
وقد طوّلنا في هذا الباب وأطنبنا، فيجب أن تعرف6 ذلك من هناك، وتعرف الفرق بين الجسم الذي هو جزء القوام، والجسم الذي هو جزء الحد، فتعرف صحة هذا الموضع وتعلم انه ليس يعني هاهنا بالجسم الذي هو جزء الحد، بل الجسم الذي هو جزء القوام، وهو أحد الشيئين اللذين في الحيوان، وبهما يتقوم الحيوان على أنهما جزءان له، وهما جسم بحال ونفس.