وأيضًا، إن كان النوع مضايفا لشيء؛ ثم لم تكن الإضافة الجنسية التي للمفروض جنسا له متعلقا بذلك الشيء، فليس المفروض جنسا له بجنس. مثل أنه إن كان الضعف يقال بالقياس إلى النصف، ثم فرض كثير الأضعاف جنسا للضعف ولم يتعلق بالنصف، فليس كثير الأضعاف جنسا. وهذا الموضع يقبل مع المثال، ويشتهر، ويعاند من طريق الحق بان الزائد جنس الضعف، وليس يجب أن يكون بالقياس إلى النصف؛ ولكن يكون بالقياس إلى جنس مضايف النوع، وهو الناقص، فغن الناقص جنس النصف؛ بل الولى أن يجعل الجنس ومضافه كالحس والمحسوس، والمبصر والبصر. ويعاند من قبيل الشهرة بأنه ليس يجب أن يكون الجنس وما فوقه يقال بالقياس إلى شيء واحد، فغن العلم نوع من الملكة، ويقال بالقياس إلى العلوم، والملكة تقال بالقياس إلى العالم. على أنه لا يمنع الحق أن يكون العلم - من حيث هو علم وأخص من الملكة - يعرض له أن يكون مضافا إلى النفس، مثل ما يعرض إلى الملكة. فكأنك علمت هذا أيضًا في موضع آخر.
وموضع آخر لا مدخل له في العلوم، وهو أن يكون الجنس يقال بلفظ زائد على اللفظ الموضوع له من الألفاظ الروابط والواصل، مثل:"من"أو"على"أو"ب"أو"إلى"، أو بغير لفظ زائد على اللفظ الموضوع له يلحق به من هذه الألفاظ ثم يخالفه النوع. ويعاند هذا الموضع بالمخالف إذ يقال لكذا، والغير يقال على غير كذا، وأحدهما تحت الآخر.
وأيضًا، فغن العلم يقال لكذا، والملكة تقال لكذا. على أن الحق أن الإضافة للملكة ليست على نحو إضافة العلم التي نحو المعلوم، بل إذا أخذ العلم نوعا من الملكة وأجرى مجراه، كان أيضًا العلم - من حيث هو علم لا من حيث هو ملكة فقط - علما للعالم. فغن كونه علما للشيء، بسبب كونه ملكة له ويذهب مذهبه - وكذلك يعاند أن الزائد على شيء، والضعف - وهو كالنوع تحته - ضعف الشيء.
واعلم أن الأمور التي تلزمها الإضافة، منها ما وجوده ليس إلا فيما له إليه الإضافة، ومنها ما تتعلق به إضافتان. إحداهما هي إلى أمر ليس هو فيه، والأخرى إلى أمر ليس هو فيه. فإن العلم بشيء خارج، هيئة مضافة إلى العالم وإلى المعلوم الخارج، وهو في أحدهما لا يمكن أن يفارقه، وبالقياس إلى الآخر لا يمكن أن يواصله. ومنها ما يمكن له كلا الأمرين، مثل العلم: فإنه يجوز أن يكون بالعالم أيضًا إذا علمت النفس ذاتها. وبعض الأمور يستحيل فيها أن يكون المضاف موجودا في المضاف إليه البتة، مثل الضعف، فإنه ممتنع أن يكون عارضا في النصف.
وقد ينبعث من معرفة هذا موضع، من ذلك أن يكون الجنس مما إضافته إلى ما هو فيه، والنوع ليس كذلك، أو بالعكس. كمن قال: إن الذكر بقاء العلم، والبقاء بقاء للباقي وفيه،والذكر ليس هو للعلم وبالقياس إليه، بل هو للمتذكر الماضي أو للنفس. وهذا الموضع يصلح للإثبات والإبطال المطلقين، بان ننظر هل الذكر بقاء العلم؛ فيؤخذ بقاء العلم صفة للعلم بها العلم بها باق؛ وليس الذكر صفة للعلم بها العلم باق.
فصل (ج) في مثل ذلك
ومن المواضع التي يبطل بها ما يوضع جنسا، أن تكون الملكة جعلت جنسا للفعل أو الفعل جعل جنسا للملكة. مثل من يقول: إن الحس حركة جسمانية، والحركة لا مبدأ فعل، والحس مبدأ فعل. أو يقول: إن التذكر ملكة نفسانية، والملكة النفسانية بحال ثبات، لا بحال تجدد وفعل. والتذكر بحال تجدد، لا بحال ثبات.
ومن المواضع المجانسة لذلك أن تكون القوة على المصابرة تجعل جنسا للملكة النفسانية كمن يجعل الحلم نوعا من كظم الغيظ؛ أو يجعل الشجاعة مصابرة على الخوف؛ أو العدالة قسر النفس على الامتناع من الأرباح الدنيئة. فإن هذه كلها تباين الملكات،إذ كانت الملكات هي التي لا تنفعل معها النفس شيئا من ذلك، فلا تغتاظ، ولا تغتاظ، ولا تخاف، ولا ترغب، لا أن يعتريها ذلك ثم تتكلف المصابرة عليه، فإن ذلك ضبط النفس، لا فضيلة الملكة.