فهرس الكتاب

الصفحة 599 من 781

وموضع أخر عكس هذا، وهو أن يجعلوا الانفعال جنسا لذي الانفعال. وقد جاء مثاله في التعليم الأول أنه كمثل من جعل الريح هواء متحركا، وأوهم أن استنكاره من جهة أن الريح ليس هو هواء متحركا، بل هو حركة هواء. فظاهر الحال فيه يوهم أن الهواء لا يجب أن يجعل جنسا للريح؛ وإذا أخذ هذا على هذا الظاهر لم يكن الانفعال قد جعل جنسا للمنفعل، بل المنفعل جعل جنسا للانفعال، فيشبه أن يكون هاهنا سقط في النسخ أو يشبه أن يكون الهواء نوعا من الريح. وتفسير المثال يدل عليه، فإنه قيل: ولا يجوز أن يكون الهواء ريحا أصلا، وذلك لأن الهواء يبقى واحدا بالعدد ريحا وغير ريح. والنوع لا يبقى شخصه واحدا بالعدد، ويخرج من جنسه إلى جنس آخر. فيشبه أن يكون الريح جعل في المثال جنسا للهواء المتحرك، وإنما هو في الحقيقة عرض في الهواء، لأنه حركة في الهواء، أو لأنه متحرك من الهواء. والظاهر يدل على انه يجعل الريح حركة الهواء. ويشبه أن يكون أراد المتحرك من الهواء، وحمل على الهواء وحمل العرض العام، والهواء له كالموضوع المنفعل ببسيط هذا العرض العام الذي هو الحركة، فكأنه قال: يجب أن يكون الريح ليس هو هواء متحركا، بل متحركا هو هواء حتى يكون جنس الريح المتحرك وفصله أنه من هواء، كما أن الجرداب هو المستدير من الماء، والحرف هو المقطع من الصوت، والقدوم هو الآلة من الحديد؛ وليس شيء منها هواء ولا ماء ولا حديدا، وإلا فالجزء يكون مقولا على الكل، ويكون الموضوع مقولا على المركب. فإذا فسر مثال الموضع على هذه الجهة، وعلى أن الغرض فيه أن الهواء إذا جعل نوعا من الريح الذي هو كالعرض العام، الذي هو أحد الخمس بالقياس إلى الهواء، كان محالا. وأن الريح هو المتحرك من الهواء، إن كان بالجعل الأول قد يلم المثال عن أن لا يكون مثالا للموضع؛ وبالجعل الثاني سلم أيضًا الريح عن أن يكون، حركة وعرضا بسيطا، لا العرض العام الذي باشتراك الاسم. وكيف يكون الريح عرضا وحركة، ومن المعلوم أن الريح جسم؟ ثم إنه كان قول القائل: إن الهواء نوع من الريح يبطل بوجوه أخرى، من أن الهواء كيف يكون نوعا من الريح، والريح لا يوجد غير هواء، فليس ذلك مانعا أن يبطل أيضًا من هذا الوجه.

وليست هذه الواضع الإبطالية معدة نحو الأشياء التي لا توجد لإبطالها موضع غيرها بل أن يكون أحد المواضع هي. فلو أن قائلا قال: إن الهواء نوع من الريح، لكان قد يبطل بأن يقول إن الهواء يبقى متحركا وغير متحركا، وريحا وغير ريح، وهو واحد بالعدد، وكان ذلك إبطالا؛ كما لو أبطل بأن قيل: وهو هاهنا ريح يقال على شيء آخر.

فهذا ما يحضرني في رد هذا المقال إلى مطابقة الموضع؛ وعى أن يكون عند غيري ما هو منه. أما المفسرون فقد استمروا على أن جعلوا المثال بحسب ما يطابق الموضع بل يطابق الوضع الذي قبله. على أن باقي الأخبار عن هذا الموضع تدل على ان الحديث هو عن موضوع جعل جنسا، ويشبه أن يكون قد وقع في النسخ سقط، أو تغيير، أو سهو. ويشبه أيضًا أن لا يكون هكذا، بل يكون الكلام على النحو الذي أولناه، ثم يكون ما يتل به عودا إلى الموضع الول قبل هذا الموضع، كأنهما في حكم موضع واحد، إذ هما كالمتعاكستين. وقد يجعل الكلام في الشيء موصولا بالكلام في عكسه، على أن جملتهما كلام واحد. وأما ما هذا الكلام المتصل، فهو أنه يقول ما معناه هذا: أن في بعض الأشياء قد الموضوع على المتكون منه في المشهور، فلا يستنكر ذلك؛ فغن الناس لا يستنكرون أن يقولوا إن الريح هواء متحرك ليس متحرك هوائي، ولا ستنكرون أن يقولوا الريح هواء أو نوع هواء استنكارا مشهورا، أو قريبا من المشهور. وأما في بعضها فالأمر بالخلاف؛ وذلك كمن يقول: إن الثلج ماء جامد، فإن معنى هذا القول، إنه ماء، ومع انه ماء فهو شديد. فإنه ما لم يكن الثلج ماء لم يكن الماء جنسا له، ثم الثلج ليس ماء، بل كان ماء، إذ الماء بالفعل في العادة هو ذلك السيال، وذلك السيال ليس موجودا بالفعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت