فهرس الكتاب
ومثال آخر مما يكون الموضوع جزءا ما يقال من أن الطين تراب معجون بماء، وليس الطين ترابا أصلا، فكيف يكون ترابا بالصفة، وتلك الصفة أنها معجونة بماء، ول كان الطين ترابا، لم يكن الطين هو الجملة، بل كان الطين هو الجزء الذي هو التراب من جهة ما خالط الماء. فالموضوعات التي تصدق على الجملة في المشهور، مثل: الإنسان على الكاتب، والصوت على الحرف؛ فإنها يشكل فيها الأمر، فتظن أجناسا.
وأما ما كان من النمط الثاني فيظهر بسرعة أنها ليست محمولات، فكيف تظن أجناسا؟ والموضوعات الأولى ربما كانت أنواعا أخيرة ليست، فكيف يكون لها أنواع؟ وذلك أنه إذا كان بعض الأمور النوعية إذا عرض لها شيء واحد - وهو مع ذلك العرض كشيء واحد - فسمى باسم مثل الجرداب، فإن الجرداب اسم يقع على كلية شيء موضوعه الماء، والماء - كما تعلم - طبيعة نوعية، فإذا حصل في موضعه شكل عن حركة، كان للجميع ذلك الشيء، وكان جردابا؛ فيكون الجرداب ليس هو ذلك الشكل، ولا الماء المجرد، بل مجموعهما. فإذا أخذ مثل هذا الشيء، وفقد في تحديده جنسه، أخذ موضوعه وأقيم مقام الجنس، فأشكل الأمر.
وهذه الأشياء ليس لها بالحقيقة حدود، على ما علمنا في الفلسفة الأولى. وليس لها أجناس حقيقية، بل أجناسها المتخيلة لها إما من الأمور الجنسية المركبة التي تركب من مقولات شيء، أو من الشيء المطلق مع مقولة، وعلى ما علمت في موضعه. وأما أن تقام الطبيعة الموضوعة مقام الجنس، وتؤخذ على الاعتبار الذي لا تكون بها موضوعا، بل تكون بها نوعا أو جنسا - على ما لمت من الفرق - فتصير نسبة تلك الطبيعة النوعية إليها حينئذ من وجه كنسبة الجنس، إذ كان ذلك النوع قد عرض له أن تخصص بمعنى كلى هو مقدم لطبيعة مركبة من النوع ومن ذلك العرض، إلا أنه ليس ذلك العرض بالحقيقة فصلا، لأنه لا يقوم ما يقترن به من الطبيعة المشتركة، وعلى ما علمت في مواضع أخرى. وكذلك لا يكون ذلك المخصص، متحدا في طبيعته اتحاد النوع الحقيقي.
وكما أن تلك الطبيعة النوعية لم تكن نوعا ومحمولا على الشخص، من حيث هو جزء الشخص، بل من حيث المعنى الآخر المطلق، كما علمت في موضعه؛ كذلك لا تكون محمولا على الصنف وكالجنس له من حيث هو الجزأين الذي هو موضوع العرض، بل من حيث المعنى الآخر المطلق. بل المحمول لا يكون من حيث يصلح للحمل جزءا البتة. فهذا أحد الأمور التي تشبه الحدود ولا تكون حدودا، ويكون ما وضع فيها كالجنس يشبه الأجناس، ولا يكون جنسا؛ ويكون الأولى بالمحدود أن يسمى صنفا لا نوعا.
فلهذا التأويل الذي أولناه، والفرق الذي فرقناه، أنكر المعلم الأول أن توضع أمثال هذه الأشياء من حيث اعتبار الشهرة مكان الجنس أولا، ثم سلم ذلك ثانيا، وجعله مما قد يصدق. فكأنه المنكر في المشهور من الوجهين قد نبه على شنعته بحجة، وهو كونه موضوعا لا محمولا. وذلك صحيح أيضًا من حيث اعتبار الحق، فإنه من المحال أن يكون الشيء من حيث هو موضوع محمولا على الجملة.
وأما المساعد عليه ثانيا من حيث اعتبار الشهرة، فلأنه اشتهر بالاستقراء أن الناس يقولون للريح هواء، ويقولون للجرداب ماء. ولا يجب أن يكون الاعتبار المشهور محوِجا إلى تعيين الجهة التي هو بها جنس، فإن ذلك علمي دقيق جدا. ولا يمنع اعتبار الشهرة أن يجعل طرفا النقيض مشهورين، كما علمت.
وأما من حيث اعتبار الحق فهو مأخوذ من حيث يصح أن يكون محمولا، وتلك الجهة تفرق بين كونه محمولا وبين كونه موضوعا وجزءا، وله اعتبار مفرد، كما قد تبينت.