فهرس الكتاب

الصفحة 601 من 781

وأما الموضوعات التي لا تثبت على حالها، بل تكون قد تغيرت في الشهرة، مثل الموضوع في قولهم: إن العصير ما يتعفن في الشجر، والجمد ماء جامد، فإن الشهرة قد ترخص في استعمالها. لكن أشهر الشهرة هو أن تلك الموضوعات ليست محمولة البتة وقد تكون شهرة أولى من شهرة، وذلك بأحد أمرين: إما للاشتهار والفشو نفسهما إذا غلبا في شيء تلك الغلبة بل دونهما؛ وإما ظلن الحق إذا خالف المشهور ثم لم يكن المشهور قويا في معناه، وكان محتولا لأن يقال هو مجاز لفظ أو غلط عادة، وكان الحق مما يسرع إليه التنبيه عليه حتى يسلمه من اتفق، فيكون هذا من جملة المشهورات الضعيفة. فإن كان مقابل مشهورا، سريع بيان الحقيقة سهلة، غلبت شهرته. والموضع المذكور فغن شهرة طرفيه مختلفان، وأحدهما أقوى بسبب هذا الوجه الثاني.

وموضع آخر: أنه إن كانت الموضوعات للشيء المدعى أنه جن لا تختلف البتة بالنوع من جهة فصول المدعى جنسا، مثل الأشياء البيض فإنها لا تختلف تحت الأبيض بالنوع البتة؛ مثل الجص والثلج، فإنهما ليسا يختلفان من حيث أنهما أنواع للأبيض؛ بل من حيث هما انواع للجسم الطبيعي، ولا فصلاهما فصلان يقسمان الأبيض من حيث هو أبيض. فإنه لا يجوز أن يكون أبيض يعرض له فصل تقتضيه الأبيضية، فيباين به أبيض آخر، بل إن تباينا فإنما يتباينان بأمور طارئة على الأبيضية، خارجة عنها؛ أعني بهذا أن كل واحد مما هو جنس فإنه يقتضي في أن يحل عند العقل شيئا مع طبيعة ما تصير به طبيعة الجنس محصلة؛ فإذا حصل ذلك المعنى تحصلن طبيعة الجنس أمرا متقررا - على ما علمته في مواضعه - مثل الحيوان، فإنه إذا قيل:"حيوان"اقتضى العقل أن يكون شيئا أخص من الحيوان، يكون الحيوان ذلك الشيء كونا بالذات، أعني أن يكون ذلك الشيء أمرا يحصل الحيوانية في ذاتها، لا أن تكون الحيوانية كما كانت؛ وقد انضم إليه أمر آخر، إن لم يكن ذلك الأمر الآخر جاز أن يكون ذلك الحيوان بعينه محصلا عند الذهن في نفسه، بل يجب فيما يتقرر عليه الحيوان محصلا، أن تكون نفس الحيوانية ذلك الشيء كالإنسان، فإنه نفس الحيوان المحصل.

وأما البيض فإنه صار جصا لم يتخصص من حيث هو أبيض بأن يكون أبيض ذلك الأبيض كان غير محصل الطبيعة من حيث هو أبيض بأن يكون أبيض، ذلك الأبيض كان غير محصل الطبيعة - من حيث هو أبيض - في العقل، حتى صار جصا عند العقل، فكان الأبيض هو نفس ذلك الجص. وكيف والجص هو أمر متحصل الذات في نفسه، والأبيض أمر يلزمه من خارج ليس هو ذاته بذاته، ولا جزءا من أجزاء من ذاته، ولذاته عليه فضل. فإذن ليس ذات الأبيض - من حيث هو أبيض - يتخصص بأن يكون هو ذات الجص، ولا أيضًا شيئا إذا زيد عليه يتخصص، كان المجتمع عليه ذات الجص بل أمرا إذا حصل ذات الجص من حيث هو ذاته، كان هو واردا عليه. فليس إذن ذات الأبيض موقوفا في أن يتحصل إلى أن يصير عند العقل ذات الجص.

ومثل هذا ايضا، فيما لا يغلط فيه مشاكلة الجنس للمادة، أنه إذا قيل"لون"لم يقنع العقل بأنه قد حصل شيئا البتة، بل يطلب تخصيصا، ويطلب أن يعلم أن ذلك اللون أهو في ذاته ذات السواد أو ذات البياض؟ فإن أعطى أنه في جسم نبي، أو جسم فيلسوف، أو في جسم لجام، أو في قدر، لم يكن ذلك سببا يحصل ذاته بان تكون هويته أنه في جسم نبي أو جسم فيلسوف، بل يطلب ذاته أولا حتى يكون بعد ذلك يعرض له ذلك فيكون التنوع أمرا يقع في ذاته لا بحسب أمر خارج عنه؛ فإذا صار عند العقل في نفسه بياضا أو سوادا يحصل ذاته وإن لم يتحصل موضوع. وكذلك حال ما يشتق منه. وإذا كان الأبيض ليس يصير متنوعا البتة باختلاف ما يوضع تحته في أنواعه، فإنها إما أن لا تختلف ف النوع، أو تختلف في نوعية ليست نوعية الأبيض؛ فليس البيض وما يجري مجراه جنسا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت