الحدود قد ننظر من أمرها في أنها كيف تؤلف، وكيف تكتسب. وقد ننظر من أمرها في أنها هل هي موجودة على الشروط التي ينبغي في تأليفها واكتسابها. والنظر الأول في كيفية إيجاد الحد؛ والثاني في كيف اعتبار حال الحد الموجود. وقد سلف في كتاب"البرهان"حال الوجه الأول، وأما هذا الوجه الآخر، فإنما ننظر فيه في هذا الكتاب على البحث الأعم، ونستخلص في ضمنه البحث الأخص. أعنى بالبحث الأعم البحث الجدلي، وبالبحث الأخص البحث العلمي. وقد علمت كيفية كون البحث الجدلي أعم من وجه.
فأول ما يجب أن يراعى من أمر الحد أن ننظر هل هو أولا صادق على المحدود، فإنه إن لم يكن صادقا، فقد كفى سائر البحث، وعلم أنه ليس بحد. والثاني أن ننظر هل دل فيه على الماهية المشتركة وهو الجنس القريب؛ فإنه وإن لم يكن الجنس مقولا، وكان لم يذكر جنس البتة، أو ذكر جنس ليس جنس الشيء، أو ذكر جنس بعيد وترك الجنس القريب، فلم يعمل شيء. ولقد علمت جميع ذلك موضعه، وعلمت أن الجنس يدل على أصل الماهية المشتركة، وأن الفصل لا يدل على ماهية النوع، وإن دخل في جملة ما يدل حتى تتم به الماهية الخاصة ثم إن كان الجنس مذكورا، ولم يكن القول مساويا لعموم الشيء حتى يطابق القول الذات في انعكاس الحمل، ومساويا لمعنى الاسم حتى يطابق القول الذات في حقيقة الماهية، فلم يدل بعد على الحد. ثم إن كان هناك جنس، وكان أضيف إليه ما صار به منعكسا على الشيء المحدود، فليس يجب أن يكون الحد حدا. فربما كان المضاف إلى الجنس خاصة؛ وربما كان فصلا واحدا، وقد أهمل فصل آخر على النحو الذي شرح لك في غير موضع، فيكون القول حينئذ غير دال على الماهية، وإن كان مساويا.
أنا إن لم يكن أخذ الفصل، بل أخذت الخاصة مكان الفصل، فلم يدل على الماهية الخاصة بوجه. وإن لم تؤخذ خاصة ولكن أخذ فصل، وأهمل فصل مساو للفصل المأخوذ، فإن القول يجوز أن يكون مساويا بحسب المعنى.
وقد بان لك الفرق بينهما، وعلمت أن الدال على الماهية في الحقيقة إنما هو المساوي بحب المعنى، ولا محالة أنه يكون مساويا بحسب العموم. لكن هذا التحقيق لا يراعى في الحدود الجدلية، ويقتنع فيها بما يكون إلحاق الفصل فيه جاعلا القول منعكسا على المحدود، بل قد يقنع الجدلي بما هو دون هذا، فإنه إن لم يكن الجنس ولا الفصل جنسا حقيقيا وفصلا حقيقيا، بل كان الجنس جنسا بحسب المهور، والفصل فصلا بحسب المشهور، أثبت الجدلي أن الحد حد. وبعد ذلك كله، فيجب أن تكون الصنعة الحاصلة من إيراد الجنس والفصول صنعة جيدة، فإنها إن لم تكن جيدة كان للمبطل أن يعارض.
والوجوه التي بها يكون الحد فيه غير جيد الصنعة هي مثل أن يكون الحاد لم يحسن تأليفه أو خلط به؛ أو أغلق في اللفظ، أو حرف الجنس والفصل عن الجهة التي ينبغي. وإذا وقع شيء من ذلك فليس الحد على ما ينبغي.
فأما أن القول محمول أو ليس بمحمول، فقد تُعين على معرفته المواضع المذكورة في باب العرض. وأما أن الجنس هل أورد أو لم يورد، فذلك مما تعين على معرفته المواضع المذكورة في باب الجنس. وأما أن القول هل هو مساو أو ليس بمساو، فقد يعين على تحققه ما أورد من المواضع في باب الخاصة. وأما انه هل الصنعة جيدة أو ليست بجيدة فستعين عليه المواضع التي نذكرها في هذه المقالة، فلم تسلف لها مواضع.
فمن المواضع التي من هذا الباب مواضع تتعلق باللفظ، ومنها مواضع تتعلق بتجاوز صانع الحد مبلغ الكفاية إلى الفصل، ومنها مواضع تتعلق بإغفال الواجب إما تركه أصلا، وإما العدول عنه.