ومن مواضع البحث الأول أن يكون اللفظ مشتركا غر مفهوم الغرض المحصل، كقول القائل، إن الكون مصير إلى الجوهر، أو لصحة اعتدال في الكيفيات؛ و"المصير"لفظ منغلق لاشتراكه، وأول ما يفهم منه الحركة المكانية،"والاعتدال"لفظ منغلق لاشتراكه، وأول ما يفهم تساوي المقادير والوزان. وليس ولا واحد من المعنيين يصح استعماله في الحدين. ومن ذلك أن يقع هذا الإغلاق في جانب المحدود نفسه، إذا كان اسما مشتركا. وربما راج ذلك بأن يكون الحد أيضًا مشترك الدلالة، فتطابق دلالته دلالة المحدود، كقول القائل في حد النور - وهو لا يفصل النور المحسوس من النور المعقول الذي هو البيان - انه الكاشف باتصاله للمدرك؛ فيقع هذا على النور المحسوس وعلى النور المعقول. لأن"الكاشف"أيضًا لفظ مشترك يطابق معنياه المعنيين اللذين للفظ المحدود، ولأنا إنما نحاول في كل حد محدودا معينا. ومثل هذا الحد لا يتعين في الذهن معناه، لا حدا ولا محدودا، فيكون هذا القول ليس بتحديد.
وأحسن من ذلك ما يبنى على الاستعارة، فيقال مثلا إن الهيولي أم حاضنة، وإن العفة اشتراك اتفاقي، وذلك لأن الاشتراك الاتفاقي قد يوجد في الغم، وليست العفة موجودة فيها. ولو كان الاتفاق جنسا لكان الشيء الواحد وهو العفة يقع في الفضيلة على انها جنسها وفي الاتفاق، فيكون للواحد جنسان متباينات ليس أحدهما تحت الآخر، ولا يستندان إلى عام؛ وهذا مما علمت استحالته. وكذلك حال التحديدات التي تستعمل فيها ألفاظ مختلفة لم تعتد، كمن يترك مثلا لفظة العين في حد شيء تؤخذ العين في حده، فيجيء بدل اللفظ الدال عليها في التعارف بلفظ المظللة بالحاجب. وكذلك الذي يأتي بدل الرئيلا بمعقبة اللسع، ويدل المخ بغاذي العظام، عادلا في أجزاء الحد أو في تسمية المحدود عن الأسماء المشهورة إلى هذه الأسماء.
ومن هذه الأسماء ما يقال بالاتفاق، وقد صار الاسم فيه لما يتفق فيه بالحقيقة ومنها ما يقال بالاستعارة وقد اشتهرت، ومنها ما يقال باستعارة مبتدعة لم تشتهر، ومنها ما يقال باشتقاق عن معان غير معتادة الاشتقاق عنها، مثل ما حكينا. ومنها ما هو أبعد من ذلك فلا هو مشترك، ولا هو مستعار معروف، وهو أيضًا دال على تتمة معنى مناسب للشيء وإن كان غير معتاد له بل يكون مستعارا بالقياس إلى معنى عام جدا مثل إتيانهم بدل الشريعة بالمكيال أو المقدار أو المثال، فإن هذا وما أشبهه لا يدل على خصوصية الشيء بوجه من الوجوه، وأما الاستعارة فقد تدل، فهذه وأمثالها مواضع تتعلق بوضوح اللفظ وإغلاقه.
وموضع قد وصل بهذه المواضع، وهو أن ننظر هل حد الضد يلوح من حد الضد؟ فإنه إذا أعطى شيء ذو ضد حدا، ثم لم يلح منه حد الضد الآخر، فليس ذلك بحد؛ إذ حد الضد ضد لحد الضد. وقد يجوز أن يجعل هذا الموضع في الجدل موضعا لاكتساب حد الضد وإثباته؛ فإنه ربما كان أحدهما قد سبق إلى الشهرة، وإن لم يسبق إليها سبق إلى التسليم، فينتقل منه إلى الثاني. وأما في التحقيق، فقد ظهر لك - حيث تكلمنا في"البرهان"- أن حد الضد لا يكتسب من حد ضده. على أنه وإن كان كذلك فيجب أن يلوح منه حد الضد، فهو للإبطال نافع، وإن لم يكن للكسب نافعا في العلوم. فهذه كأنها مواضع لفظية.
وأما المواضع التي بعد ذلك، فإن تعلقها بالبحث الثاني. فمنها أن يكون قد أخذ بدل الجنس شيء من المحمولات العامة، أو شيء من اللوازم التي تلزم كل شيء كالموجود والشيء أو غير ذلك؛ أو جنس بعيد أورد لا على أنه جزء حد جنس قريب لا اسم له وأخذ بدله حده؛ بل إنما أورد مع إيراد الجنس القريب، فكان فصلا مستغنى عنه؛ واشتمل الحد على تكرار؛ ولو أنه أسقط لبقى الباقي قولا خاصا دالا على الماهية.